فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 61

وإن الله سبحانه جلت حكمته قد رتب أحكام هذه الدنيا على أسباب ظاهرة ، ولم يجعلها قدرية محضة ، وإن دين الإسلام هو قدر الله في هذه الجزيرة ؛ قاعدة انطلاقة إلى كل الخليقة في المعمورة وهو من الظهور و الوضوح بمكان ، وأحكام هذه الجزيرة فيه كذلك ، بل هي من آخر ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم -وهو على فراش الموت- إلى أمته .

وإنك إذا أدرت النظر في سبب هجرها -عند الأكثرين- ؛ رأيته أثرا من آثار موجة الفتور التي تمر بالمسلمين ؛ من ضعف الحس ، والغفلة عن تنشيطه صُعُدًا إلى الترقي في مدارج الإسلام ، والإبقاء على امتيازات داره وكيان أهله ؛ عبر جسور شرعية من الكتاب والسنة .

ورأيته امتدادا لحبل التراخي من عرب هذه الجزيرة عن وجودهم القيادي في العالم ، إذ غرقوا في الترف ، والملذات ، والتهام الأموال ، والتقلب في عدة أوجاع ؛ ولا تدري مكان الوجع منها !

وجماع التراخي والفتور: ضعف الإيمان في النفوس ، وسكرة الركون إلى الحياة وشهواتها ، فآلت السابلة إلى ما ترى .

و من شِداد ولائده: أسر النفوس عن توثبها بالحق لنصرته ؛ مضغوطا عليها من كل جانب: { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) } .

وهذا البيان تذكرة باحثة عن خصائص الجزيرة وسبل حمايتها ، ثم تنزيل وسائل الإصلاح والاستصلاح ، وبعث الهمم على إعمالها وتخليصها من الأدواء التي دبت إليها:

أيها المصلح من أخلاقنا أيها المصلح الداء هنا

فإذا خَلَصت من الأدواء ؛ بقي الإسلام في حضانة أهله ؛ تشع أنواره ، وتظهر شعائره ، وتقام الشريعة ، وتؤمن السابلة ، وهذا هو الدين كما قال حسان -رضي الله عنه-:

وما الدين إلا أن تقام شرائع وتؤمن سبل بيننا وهضاب

وبها تبقى دارهم مركزا للإسلام ، ودار قيادة للعالم الإسلامي .

وبها يبقى أهلوها قدوة لأهل القبلة ؛ قياديين عربا مسلمين ؛ يحمون حمى الدين ، وينافحون عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت