فهرس الكتاب
و أما اصطفاء الله تعالى لقريشٍ الميامين الغرّ -و هم ذرية فهر بن مالك ، و قيل: جده النضر- ؛ فقد كان بما آتاهم من المناقب العظام ، و لا سيما بعد سكنى مكة ، و خدمة المسجد الحرام ، إذ كانوا أصرح ولد إسماعيل أنسابا ، و أشرفهم أحسابا ، و أعلاهم آدابا ، و أفصحهم ألسنة ، و هم الممهَّدون لجمع الكلمة .
فقد نقل أهل السِّيَر أن مالك بن النضر كان ملك العرب ، و أن كعب بن لؤي كان يجمع قومه و يعظهم يوم الجمعة ، و كانوا يسمونه يوم العَروبة ، و أنهم كانوا يجلونه في حياته ، ثم أرخوا بموته بعد وفاته ، و أن قصيا جمع شمل قبائل قريش بمكة ، إذ كان هو الوارث لمن كانوا يتولونها من خزاعة ، و قد تملك عليهم فملكوه ؛ إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه ، و ذلك أنه كان يراه دينا في نفسه ، لا ينبغي له تغييره و لا لغيره من بعده .
قال ابن إسحاق: و هو الذي أنشأ الندوة ، و جعل بابها إلى الكعبة ، و قد أجمعت قريش على طاعته و حبه ، فكانت إليه الحجابة و السقاية و الرفادة و اللواء ، ثم وزعت المناصب بعده على الزعماء .
فجملة ما امتاز به آله صلى الله عليه وسلم على سائر قومه الأخلاق العلية ، و الفواضل العملية ، و الفضائل النفسية ، و كانوا أبعد من سائر قريش عن الكبر و الأثرة و الأمور الحربية ، و لذلك غُلبوا على الرياسة حتى بعد الإسلام ، و حكمة ذلك ظاهرة لأولي الأحلام ، فهو أنفى للشُّبَه عن رسالته عليه أفضل الصلاة و السلام"انتهى ملخصًا ."
و عما اختصت به العرب من العلوم يقول ابن فارس رحمه الله تعالى في"الصاحبي" (ص76 - 77) ما نصُّه:
"باب ذكر مَا اختصت بِهِ العرب:"