فهرس الكتاب
الردة والعُدة
وقعت الردة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة بل كانت بوادرها قبل موته فيمن زعم النبوة متشبعًا بما لم يعطه, كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي, ورمت العرب المدينة المنورة عن قوس واحدة وتربصت بها الدوائر, فما كان من أبي بكر - رضي الله عنه - إلا أن يعد لذلك الأمر عدته؛ ويأخذ له أهبته؛ فقام خطيبًا في الناس؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى؛ إن الله بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والعلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشر عندهم، قد غيروا كتابهم؛ وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله؛ لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا، وأضلهم دينًا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب؛ فختمهم الله بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وجعله الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم,"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [1] , إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم يكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي
(1) آل عمران 144