فهرس الكتاب
أغروا كبار المسلمين بالاستدانة منهم والتعامل معهم ، وسهَّلوا عليهم ذلك وهوَّنوه عليهم ، واستطاعوا بذلك أن يكتسبوا حق التدخل الاقتصادي ، وأن يغرقوا البلاد برؤوس أموالهم ومصارفهم وشركاتهم ، وأن يديروا دولاب العمل الاقتصادي كما يريدون ، وأن يستأثروا دون الأهلين بالأرباح الطائلة ، والثروات العظيمة ، وتمكنوا بعد ذلك من أن يغيروا قواعد الحكم والقضاء والتعليم ، وأن يصبغوا النظم السياسية والتشريعية والثقافية بصبغتهم الخالصة في أقوى بلاد الإسلام .
وجلبوا إلى هذه الديار نساءهم الكاسيات العاريات ، وخمورهم ومسارحهم ومراقصهم وملاهيهم، وقصصهم وجرائدهم، ورواياتهم وخيالاتهم ، وعبثهم ومجونهم ، وأباحوا فيها من الجرائم ما لم يبيحوه في ديارهم ، وزينوا هذه الدنيا الصاخبة العابثة ، التي تعج بالإثم وتطفح بالفجور ، في أعين البسطاء الأغرار من المسلمين الأغنياء ، وذوي الرأي فيهم ، وأهل المكان والسلطان .
ولم يكفهم هذا حتى أنشأوا المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في عقر ديار الإسلام، تقذف في نفوس أبنائه الشك والإلحاد وتعلمهم كيف ينتقصون أنفسهم، ويحتقرون دينهم ووطنهم، وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم، ويقدسون كل ما هو غربي، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوروبيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة.
واحتوت هذه المدارس على الطبقة العليا وحدها وصارت وقفًا عليها، وأبناء هذه الطبقة هم العظماء والحكام، ومن سيكون بيدهم بعد قليل مقاليد الأمور في هذه الأمم والشعوب، ومن لم يتم نضجه في هذه المعاهد الموضعية، فإن في البعثات المتلاحقة ما يكفل لهم التمام.
ونجح هذا الغزو الاجتماعي المنظم العنيف أعظم النجاح، فهو غزو محبب إلى النفوس، لاصق بالقلوب طويل العمر، قوي الأثر، وهو لهذا أخطر من الغزو السياسي والعسكري بأضعاف الأضعاف .