فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 588

إن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها وإن تاريخ الأمم جميعًا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات . وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة . وإني اعتقد ـ والتاريخ يؤيدني ـ أن الرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته ، وفي وسعه أن يهدمها كذلك إذا توجهت هذه الرجولة إلى ناحية الهدم لا ناحية البناء ..

وإن الأمم تجتاز أدوار من الحياة كتلك الأدوار التي يجتازها الأفراد علي السواء: فقد ينشأ هذا الفرد بين أبوين مترفين آمنين ناعمين فلا يجد من مشاغل الحياة ما يشغل باله ويؤلم نفسه ولا يطالب بما يرهقه أو يضنيه ، وقد ينشأ الفرد الآخر في ظروف عصبيه وبين أبوين فقيرين ضعيفين فلا يطلع عليه فجر الحياة حتى تتكدس علي رأسه المطالب وتتقاضاه الواجبات من كل جانب وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامسة .

وقد شاءت لنا الظروف أن ننشأ في هذا الجيل الذي تتزاحم الأمم فيه بالمناكب وتتنازع البقاء أشد التنازع وتكون الغلبة دائمًا للقوي السابق ..

وشاءت لنا الظروف كذلك أن نواجه نتائج أغاليط الماضي ونتجرع مرارتها ، وأن يكون رأب الصدع وجبر الكسر ، وإنقاذ أنفسنا وأبنائنا ، واسترداد عزتنا ومجدنا ، وإحياء حضارتنا وتعاليم ديننا ..

وشاءت لن الظروف كذلك أن نخوض لجة عهد الانتقال الأهوج ، حيث تلعب العواصف الفكرية والتيارات النفسية والأهواء الشخصية بالأفراد وبالأمم وبالحكومات وبالهيئات وبالعالم كله ، وحيث يتبلل الفكر وتضطرب النفس ويقف الربان في وسط اللجة يتلمس الطريق ويتحسس السبيل وقد اشتبهت عليه الأعلام وانطمست أمامه الصور ووقف علي رأس كل طريق داع يدعوا إليه في ليل دامس معتكر وظلمات بعضها فوق بعض ، حتى لا تجد كلمة تعبر بها عن نفسية الأمم في مثل هذا العهد أفضل من"الفوضى"..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت