فهرس الكتاب
كذلك شاءت لنا ظروفنا أن نواجه كل ذلك وأن نعمل على إنقاذ الأمة من الخطر المحدق بها من كل ناحية .
وإن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا ، وتنهض لمهمة كمهمتنا ، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها ، لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني . وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد: بين الحق والباطل وبين النافع والضار وبين صاحب الحق وغاصبه وسالك الطريق وناكبه وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين . وأن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد ، والجهد هو التعب والعناء ، وليس مع الجهاد راحه حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السرى .
وليس للأمة عدة في هذه السبيل الموحشة إلا النفس المؤمنة والعزيمة القوية الصادقة والسخاء بالتضحيات والإقدام عند الملمّات وبغير ذلك تغلب علي أمرها ويكون الفشل حليف أبنائها.
ومع أن ظروفنا هي ما علمت .. فإن نفوسنا لا تزال تلك النفوس الرخوة اللينة المترفة الناعمة التي تجرح خديها خطرات النسيم ويدمى بنانها لمس الحرير . وفتياتنا وفتياننا هم عدة المستقبل ومعقد الأمل لا يزال حظ أحدهم أو إحداهن مظهرا فاخرًا أو أكلة طيبة أو حلة أنيقة أو مركبًا فارهًا أو وظيفة وجيهة أو لقبًا أجوف ، وإن اشترى ذلك بحريته وإن أنفق عليه من كرامته وإن أضاع في سبيله حق أمته .
وهل رأيت أولئك الشبان الذين تنطق وجوههم بسمات الفتوة وتلوح على محياهم مخايل النشاط ويجرى في قسماتهم ماء الشباب المشرق الرقراق وهم يتألمون على أبواب رؤساء المصالح والدواوين بأيديهم طلبات الوظائف ؟ وهل رأيتهم يتوسلون بالصغير والكبير ويرجون الحقير والأمير ويوسطون حتى سعاة المكاتب وحجاب الوزارات في قضايا المأرب وقبول الطلبات ؟