فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 588

وتلك بارقة تسطع في نفس من قدح زنادها ، وحلاوة يستشعرها من تذوق شهدها ، وهل رأيت بربك أعزب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع العابد الراكع الساجد القانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه ونادى منادى العارفين من المحبين:

سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل

آه يا أخي ، إن موقفًا واحدًا من هذه المواقف أنفع للقلب وأفعل في النفس وأذكى للروح من ألف عظة قولية وألف رواية تمثيلية وألف محاضرة كلامية ، وجرب تر ، ولأمر ما كان ذلك في لسان القرآن آية الإحسان , (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ , كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ , وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذريات:16-18) . .

ولأمر ما كان أجر هؤلاء سنيًا خفيًا , (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة:17) ، ألم يكن عملهم خفيًا كذلك ، وهل تصلح الخلوات في حضرة الرقباء؟ وهل يلذ لمحب في غير خلوة نجاء ؟ وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ ولقد حدثوا أن أبا القاسم الجنيد رؤي بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك ؟ فقال: طاحت الإشارات وفنيت العبارات وغابت العلوم وضاعت الرسوم وما نفعنا إلا ركيعات كنا نركعها في جوف الليل .

لا تستغرب ـ أيها القارئ الكريم ـ فما نفع القلب خير من خلوة يدخل بها ميدان فكره ، وما تزكت النفس بأفضل من ركعات خاشعات تجلو القلوب وتقشع صدأ الذنوب وتغسل درن العيوب وتقذف في القلب نور الإيمان وتثلج الصدر ببرد اليقين .

والمسلمون في هذا العصر أمام الصلاة طرائق قدد وطوائف بدد: فمنهم قوم أضاعوها وأهملوها وتركوها وجهلوها ، وإذا ذكرتهم بأمرها أو خضت معهم في شأنها لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ويحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت