فهرس الكتاب
راجع تاريخ الهيئات والشعوب تر هذا القول واضحا بينا ، وأن أساس النجاح في كل نهضاتها منهج محدود وقوم يعملون في حدود هذا المنهج ، لا يملون ولا يفترون ولايسأمون ولا يمتنون ، ذلك واضح جلي في الخطوات التي سلكتها دعوة الإسلام الأولى ، فقد وضع الله لها منهاجًا محدودًا يسير بالمسلمين الأولين رضوان الله عليهم إليه ..دعوة في السر .. ثم إعلان بهذه الدعوة ونضال في سبيلها لا يمل .. ثم هجرة إلى حيث القلوب الخصبة والنفوس المستعدة .. فإخاء بين هذه النفوس وتمكين عرى الإيمان في قلوبها ..ثم نضال جدي وانتصاف من الباطل للحق . وهذا أبو بكر يريد أن يخرج من مكة إلى المدينة فيأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتظر حتى يأتيه هو إذن الله بذلك . حتى إذا تمت الخطوات في القسم الأول من منهاج الدعوة ، وهى التي أنيطت بالرسول صلى الله عليه وسلم تشريعًا وتطبيقًا ، أنزل الله قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة:3) .
ثم جاء…بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين من نقلوا هذا النموذج الكامل من جزيرة العرب إلى غيرها من بلدان العالم لتكون كلمة الله هي العليا , وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
وأنت إذا رجعت بذاكرتك إلى تاريخ الفرق الإسلامية ، وإلي الأدوار التي سبقت ، وقارنت قيام الدولة العباسية في الشرق ، ثم إلى نهضة الدول الحديثة الأوربية من فرنسا وايطاليا وروسيا وتركيا ـ سواء في الدور الأول وهو دور تكوين الوحدات وتأسيس الحكومات أو في هذا الدور وهو دور تكوين المبادىء ومناصرة النظريات ـ لرأيت ذلك يخضع إلى مناهج معروفة الخطوات تؤدى إلى النتيجة الحتمية التي تعمل لها الأمة .