فهرس الكتاب
5 ـ عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية
ومع هذه القوة البالغة والسلطان الواسع فإن عوامل التحلل فإن عوامل التحلل قد أخذت تتسلل إلى كيان هذه الأمة القرآنية , وتعظم و تنتشر و تقوى شيئا فشيئا حتى مزقت هذا الكيان وقضت على الدولة الإسلامية المركزية في القرن السادس الهجري بأيدي التتار , وفي القرن الرابع عشر الهجري مرة ثانية , وتركت وراءها في كلتا المرتين أمما مبعثرة و دويلات صغيرة تتوق إلى الوحدة و تتوثب للنهوض .
و كان أهم هذه العوامل:
أ ـ الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه , مع التحذير الشديد الذي جاء به الإسلام في ذلك و التزهيد في الإمارة و لفت النظر إلى هذه الناحية التي هي سوس الأمم و محطمة الشعوب و الدول: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال:46) , و مع هذه الوصية البالغة بالإخلاص لله وحده في القول و العمل و التنفير من حب الشهرة و المحمدة .
ب ـ الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة , وإهمال كتاب الله و سنة الرسول صلى الله عليه وسلم , و الجمود و التعصب للآراء و الأقوال , والولع بالجدل والمناظرات و المراء , وكل ذلك مما حذر منه الإسلام ونهى عنه أشد النهي , حتى قال الرسول: (ما ضل قوم بعدي على هدى إلا أوتوا الجدل) .
ج ـ الانغماس في ألوان الترف والنعيم , والإقبال على المتعة والشهوات , حتى أثر عن حكام المسلمين في كثير من العصور ما لم يؤثر عن غيرهم , مع أنهم يقرءون قول الله تبارك وتعالى:
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء:16) .