فهرس الكتاب
و كانت الوحدة بكل معانيها و مظاهرها شمل هذه الأمة الناشئة , فالوحدة الاجتماعية شاملة بتعميم نظام القرآن و لغة القرآن , و الوحدة السياسية شاملة في ظل أمير المؤمنين و تحت لواء الخلافة في العاصمة , و لم يحل دونها أن كانت الفكرة الإسلامية فكرة لا مركزية في الجيوش , و في بيوت المال , و في تصرفات الولاة , إذ أن الجميع يعملون بعقيدة واحدة و بتوجيه عام متحد .
و لقد طردت هذه المبادئ القرآنية الوثنية المخرفة في جزيرة العرب و في بلاد الفرس فقضت عليها , و طاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق و قضت على سلطانها الديني و السياسي قضاء تاما , وصارعت المسيحية حتى انحصر ظلها في قارتي آسيا و أفريقيا و انحازت إلى أوربا في ظل الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية , و تركز بذلك السلطان الروحي والسياسي بالدولة الإسلامية في القارتين العظيمتين , و ألحت بالغزو على القارة الثالثة تهاجم القسطنطينية من الشرق وتحاصرها حتى يجهدها الحصار , و تأتيها من الغرب فتقتحم الأندلس وتصل جنودها المظفرة إلى قلب فرنسا و إلى شمال و جنوب إيطاليا , و تقيم في غرب أوربا دولة شامخة البنيان مشرقة بالعلم و العرفان , و يتم لها بعد ذلك فتح القسطنطينية نفسها وحصر المسيحية و حصر المسيحية في هذا الجزء المحدود من قلب أوربا , وتمخر الأساطيل الإسلامية عباب البحرين الأبيض و الأحمر فيصير كل منهما بحيرة إسلامية , وتقبض قوات الدولة الإسلامية بذلك على مفاتيح البحار في الشرق والغرب وتتم لها السيادة البرية و البحرية .
وقد اتصلت بغيرها من الأمم ، ونقلت كثيرًا من الحضارات ، ولكنها تغلبت بقوة إيمانها ومتانة نظامها عليها جميعًا ، فعربتها أو كادت ، واستطاعت أن تصبغها وأن تحملها على لغتها ودينها بما فيهما من روعة وحيوية وجمال ، ولم يمنعها أن تأخذ النافع من هذه الحضارات جميعًا ، من غير أن يؤثر ذلك في وحدتها الاجتماعية أو السياسية .