الصفحة 136 من 565

والمقصود: أن الله لم يأمر بالتوكل فقط، بل أمر مع التوكل بعبادته وتقواه التي تتضمن فعل ما أمر، وترك ما حذر، فمن ظن أنه يُرضي ربه بالتوكل بدون فعل ما أمر به كان ضالا، كما أن من ظن أنه يقوم بما يُرضي الله عليه دون التوكل، كان ضالا، بل فعل العبادة التي أمر الله بها فرض .

وإذا أطلق لفظ العبادة دخل فيها التوكل، وإذا قرن أحدهما بالآخر، كان للتوكل اسم يخصه . كما في نظائر ذلك مثل التقوى وطاعة الرسول، فإن التقوى إذا أطلقت دخل فيها طاعة الرسول . وقد يعطف أحدهما على الآخر؛ كقول نوح عليه السلام: { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [ نوح: 3 ] . وكذلك قوله: { اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } [ الأحزاب: 70 ] وأمثال ذلك .

وقد جمع الله بين عبادته والتوكل عليه في مواضع؛ كقوله تعالى: { قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } [ الرعد: 30 ] ، وقول شعيب: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [ هود: 88 ] ، فإن الإنابة إلى الله والمتاب هو الرجوع إليه بعبادته وطاعته، وطاعة رسوله، والعبد لا يكون مطيعًا لله ورسوله ـ فضلًا أن يكون من خواص أوليائه المتقين ـ إلا بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، ويدخل في ذلك التوكل .

وأما من ظن أن التوكل يغني عن الأسباب المأمور بها ، فهو ضال، وهذا كمن ظن أنه يتوكل على ما قدر عليه من السعادة والشقاوة بدون أن يفعل ما أمره الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت