الصفحة 143 من 565

وهذا كما أن إزهاق الروح هو من فعل الله ويمكن طلبه بالقتل ، وحصول العلم والهدى في القلب هو من فعل الله ويمكن طلبه بأسبابه المأمور بها وبالدعاء .

وقول القائل: إن الله يفعل بسبب وبغير سبب، فمن أين يلزمنا طلب السبب ؟

جوابه أن يقال له: ليس الأمر كذلك، بل جميع ما يخلقه الله ويقدره إنما يخلقه ويقدره بأسباب، لكن من الأسباب ما يخرج عن قدرة العبد، ومنها ما يكون مقدورًا له، ومن الأسباب ما يفعله العبد، ومنها ما لا يفعله .

والأسباب منها، معتاد، ومنها نادر، فإنه في بعض الأعوام قد يمسك المطر ويغذي الزرع بريح يرسلها، وكما يكثر الطعام والشراب بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، والرجل الصالح، فهو أيضًا سبب من الأسباب، ولا ريب أن الرزق قد يأتي على أيدي الخلق، فمن الناس من يأتيه برزقه جنى أو ملك أو بعض الطير والبهائم . وهذا نادر، والجمهور إنما يرزقون بواسطة بني آدم مثل أكثر الذين يعجزون عن الأسباب يرزقون على أيدي من يعطيهم، إما صدقة، وإما هدية، أو نذرًا، وإما غير ذلك، مما يؤتيه الله على أيدي من ييسره لهم .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يا ابن آدم، إن تنفق الفضل خير لك، وإن تمسك الفضل شر لك، ولا يلام على كفاف، واليد العليا خير من اليد السفلى ) ، وفي حديث آخر صحيح: ( يد الله هي العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى ) .

وبعض الناس يزعم أن يد السائل الآخذ هي العليا؛ لأن الصدقة تقع بيد الحق، وهذا خلاف نص رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر، أن يد الله هي العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى .

وقول القائل: إن الله ضمن ضمانًا مطلقًا .

فيقال له: هذا لا يمنع وجوب الأسباب على ما يجب، فإن فيما ضمنه رزق الأطفال والبهائم والزوجات، ومع هذا، فيجب على الرجل أن ينفق على ولده وبهائمه وزوجته، بإجماع المسلمين ونفقته على نفسه أوجب عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت