فهرس الكتاب
الله عليه وسلم: ( وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟ بدعائهم، وصلاتهم، واستغفارهم ) هذا لجلب المنفعة، وهذا لدفع المضرة .
وأما التوكل فَبَين أن الله حسبه، أي: كافيه، وفي هذا بيان التوكل علي الله من حيث أن الله يكفي المتوكل عليه، كما قال: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [ الزمر: 36 ] خلافا لمن قال: ليس في التوكل إلا التفويض والرضا . ثم إن الله بالغ أمره، ليس هو كالعاجز، { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [ الطلاق: 3 ]
***وأما قوله: ( يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم ) فيقتضي أصلين عظيمين-أحدهما: وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جَلْب المنفعة كالطعام، ودفع المضرة كاللباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة . وإنما القدرة التي تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك؛ ولهذا قال: { وَعلى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف } [ البقرة: 233 ] ، وقال: { وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } [ النساء: 5 ] ، فالمأمور به هو المقدور للعباد، وكذلك قوله: { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد: 14: 16 ] ، وقوله: { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } [ الحج: 36 ] ، وقوله: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } [ الحج: 28 ] ، وقال: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ } [ يس: 47 ] فذم من يترك المأمور به اكتفاء بما يجري به القدر .