فهرس الكتاب
وهذا كما أن من أخذ يدخل في التوكل تاركًا لما أمر به من الأسباب فهو ـ أيضًا ـ جاهل ظالم، عاص لله بترك ما أمره، فإن فعل المأمور به عبادة لله . وقد قال تعالى: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه } [ هود: 123 ] ، وقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة: 5 ] ، وقال: { قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه مَتَابِ } [ الرعد: 30 ] ، وقال شعيب ـ عليه السلام ـ: { عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه أُنِيبُ } [ هود: 88 ] ، وقال: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه أُنِيبُ } [ الشوري: 10 ] . وقال: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حتى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عليكَ تَوَكَّلْنَا وَإليكَ أَنَبْنَا وَإليكَ الْمَصِيرُ } [ الممتحنة: 4 ] ، فليس من فعل شيئًا أمر به وترك ما أمر به من التوكل بأعظم ذنبًا ممن فعل توكلًا أمر به وترك فعل ما أمر به من السبب؛ إذ كلاهما مخل ببعض ما وجب عليه، وهما، مع اشتراكهما في جنس الذنب، فقد يكون هذا أَلْوَم، وقد يكون الآخر، مع أن التوكل في الحقيقة من جملة الأسباب .
وقد روي أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي بين رجلين . فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكَيْس، فإن غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل ) .