فهرس الكتاب
يجزيه أجرا عظيما ، وثوابا كثيرا . وشرط الله في العفو الإصلاح فيه ، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق بالعفو عنه ، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته ، فإنه في ـ هذه الحال ـ لا يكون مأمورا به . وفي جعل أجر العافي على الله ، ما يهيج على العفو ، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به . فكما يحب أن يعفو الله عنه ، فليعف عنهم ، وكما يحب أن يسامحه الله ، فليسامحهم ، فإن الجزاء من جنس العمل . وأما مرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله:"إنه لا يحب الظالمين"الذين يجنون على غيرهم ابتداء ، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته ، فالزيادة ظلم"ولمن انتصر بعد ظلمه"أي:انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه"فأولئك ما عليهم من سبيل"أي: لا حرج عليهم في ذلك . ودل قوله:"والذين إذا أصابهم البغي"وقوله:"ولمن انتصر بعد ظلمه"أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه . وأما إرادة البغي على الغير ، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء ، فهذا لا يجازي بمثله ، وإنما يؤدب تأديبا ، يردعه عن قول ، أو فعل صدر منه"إنما السبيل"أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية"على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق"وهذا شامل للظلم والبغي على الناس ، في دمائهم ، وأموالهم ، وأعراضهم ."أولئك لهم عذاب أليم"أي: موجع للقلوب والأبدان ، بحسب ظلمهم وبغيهم ."ولمن صبر"على ما يناله من أذى الخلق"وغفر"لهم ، بأن سمح لهم عما صدر منهم ."إن ذلك لمن عزم الأمور"أي: الأمور التي حث الله عليها وأكدها وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة ، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم ، وذوو الألباب والبصائر . فإن ترك الانتصار للنفس ، بالقول أو الفعل ، من أشق شيء عليها . والصبر على الأذى ، والصفح عنه ، ومغفرته ، ومقابلته بالإحسان ، أشق وأشق . ولكنه يسير على من يسره الله