قد حالت دون تذوقه نصًا ممثلًا لأنقى وآصل ما في العربية لغة وبيانًا، وذلك لما داخل هذا التذوق من شائبات مذهبية وطائفية جارت عليه.
وكل من له إتصال بالدراسات القرآنية، يعرف ما حشيت به كتب الفسير من إسرائليات حاول بها يهود، ممن دخاول في الإسلام طوعًا أو نفاقًا، تطعيم فهم المسلمين لكتابهم الديني بعناصر إسرائيلية. وأنا أدع الكلام في هذا الذائع المعروف، لأشير إلى شوائب أخرى جاءت نتيجة لتباين أذواق المفسرين وعقلياتهم وبيئاتهم وأنماط شخصياتهم، في ذلك العالم الواسع العريض الذي أمتد من الصين والهند في أقصى المشرق، إلى مراكش والأندلس في أقصى المغرب، وتقاسمته ألوان من عصبيات مذهبية وسياسية وطائفية، فاقتضى هذا بطبيعة الحا أن تواردت على كتاب الإسلام الديني أمم وطوائف شتى، تتذوقه متأثرة بظروفها الخاصة ويفسره المفسرون منهم تفسيرًا يوجه النص توجيهيًا يعوزه في كثير من الأحايين، فوق العربية النقى ومزاجها الأصيل؛ وقد ينحرف به عن وجهته ضلال التعصب أو خطأ المنهج أو قصور التناول.
والمكتبة القرآنية غنية بكتب التفسير، ومنها ما آظهر عناية خاصة بالتوجيه الإعرابي أو البلاغي، ومنا ما أختص بالنظر في مفرداته أو في مجازة أو في أقسامه أو في نظمه، من ذلك مثلًا: عناية الزمخشري بالبلاغة في تفسيره (الكشاف) . وعناية عبد القاهر الجرجانى والقاضي الباقلانى، بالنظم في: (الإعجاز ودلائله) وكتب الماوردي وإبن حزم والقاضي إبن العربي والشاطبي والجصاص، في (الأحكام) ، وكتاب محب الدين أبى البقاء العكبرى في (وجوه الإعراب والقراءات) وكتاب إبن خالويه في (إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم) وكتاب إبن قيم الجوزية في (أقسام القرآن) وكتاب الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن) ، وكتاب أبي عبيدة في (مجاز القرآن) وكتب: (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق الزجاج، و (إعراب القرآن) لأبي جعفر إبن النحاس، و (غريب القرآن) لإبن قتيبة، ولمكي بن أبي طالب حموش القيسى، وأبي البركات إبن الأنباري وغيرها مما لا أذكره هنا على وجه الإحصاء. وما يجرؤ منصف على أن يجحد فضل أحد من هؤلاء جميعًا، هم الذين بذلوا في خدمة القرآن جهودًا جليلة، وتركوا آثترهم زادًا لمن بعدهم.