وهكذا يظل الخلاف دون أن ينحسم. فلكل قول رد، ولكل إعتراض جواب!
وما نرى سببالً لهذا كله إلا سيطرة فكرة تعظيم المقسم به على هؤلاء وأولئك، فالذين قالوا: هي الخيل، قصروها على خيل الغزاه ليظهر وجه التعظيم في القسم بها. والذين قالوا: هي الإبل، قصروها على إبل الحاج تنطلق من عرفة إلى المزدلفة ثم إلى منى، للغرض نفسه.
والقلة التي ذهبت إلى أن العاديات هي الخيل بعامة، لم تتخل عن فكرة التعظيم، وجهد المحاولة لبيانها وتقريرها. فإبن القيم يصرح بأنه لا يلزم حتمًا أن نخص العاديات بخيل الغزاة وإن كانت أشرف أنواع الخيل"فالقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم واشرفه، وهو الذي يحصل به العز والظفر فذكرهم تعالى بنعمته عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم".
أخذه"الشيخ محمد عبده"فتوسع في بيان هذا الوجه لتعظيم الخيل، أقسم الله بها"لينوه بشأنها، ويعلى من قدرها في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد، ليعونا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر، وليحملهم أنفسهم على العناية بالفروسية والتدرب على ركوب الخيل والإغارة بها، ليكون كل واحد منهم مستعدًا في أي وقت كان لأن يكون جزءًا من قومه الأمة إذا اضطرات إلى صد عدو. وكان في هذه الآيات القاراعات، وأشباه لها، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصر، وما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في عقائلها، وأن يكون فيب السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقانًا".
وقد مضى القول، في تفسير سورة الضحى، بأن القسم بالواو هنا أقرب إلى أن يكون قد خرج عن أصل معناه في الوضع اللغوي، لملحظ بياني بلاغي.