وقضية البشر الأساسية هي الإيمان والكفر، والموقف من الرسالات، وهذه القضية لا يتغير فيها إلا الوجوه فقط، وإلا فالأحداث والوقائع واحدة.
بل والكلمات واحدة {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} ، و {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون!! أتواصوا به} فقصة كل رسول واحدة:
رسول يأتي بالهدى من ربه فيدعو إلى مؤمن وكافر، ويقوم الصراع، ويداول الله الأيام بينه وبين عدوه، ثم تكون العاقبة بهلاك الظالمين وبالنصر والتمكين للمؤمنين ..
وهكذا الشأن مع كل رسول؛ اختلفت أسماؤهم وأزمانهم وأقوامهم، واتحدت دعوتهم، وتطابقت كلمات مناوئيهم، وتشابهت قلوبهم.
وكان الإيمان كذلك واحدًا .. اختلفت أسماء المؤمنين لكنهم كانوا في كل عصر على قلوب وأعمال واحدة {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} .
وهكذا يبقى وصف الله للكفار في عصر الرسالة هو وصفه للكفار اليوم، ويعيش عبدالله بن سلول رأس المنافقين ويموت في المدينة ولكن أشباهه في النفاق يظهرون في كل جيل ودعوة.
ويصفهم الله في القرآن: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}
وكما يمضي بلال وعمار وصهيب فإنه يبقى أشباههم من أهل الإيمان يعذبون طالما بقيت فتنة في الأرض، ويبقى وصف الله لهؤلاء في القرآن ماثلًا وقائمًا وواقعًا. {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله}
وهكذا لا يفهم القرآن حيًا غضًا طريًا، إلا من أنزله على الواقع المعاصر فعرف كفار زمانه، وفراعنة أقوامه، وأهل النفاق في بلده، وأهل الإيمان الذين هم أهله حقًا وصدقًا ..
ومع هذا فيجب الحذر من إنزال القرآن على غير منازله، فمن أنزل آيات المؤمنين في الكافرين أو العكس، أو جعل المؤمنين الصالحين هم المنافقون الكافرون ضل ولم يهتد ووضع القرآن في غير مواضعه، وهذا باب عظيم ضل فيه من ضل ممن حجب الله نور القرآن عن أبصارهم، وهذا الباب أعني إنزال آيات القرآن منازله الصحيحة، وفقه الواقع على ضوء الكتاب هو ثمرة القواعد السابقة جميعها وهو ثمرة الهداية والتوفيق: {ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} .
عاشرًا: أخذ القرآن للعلم والعمل: