فهرس الكتاب
والمدينة الثانية ليس عليها حصن أو أي سور يبين حدودها ومعالمها، وهي بادية لكل الناس، كل من يمر ويراها يتمتع برؤيتها وجمالها وربما دخلها وأخذ من خيراتها ومكنوناتها فهي بذلك أصبحت ممرا لكل الناس يمرون وينظرون ويطيلون النظر، ويدخلون ويغتنمون الفرصة، إنه لا يوجد لها سور يمنعهم ويأخذون منها الغالي والثمين، غير آبهين بعقوبة أو برادع يردعهم عن، الذي يفعلونه، وأصبحت تلك المدينة تعطي ولا تأخذ تزرع ولا تحصد تنتج ولا تستفيد حتى تصبح مجردة من كل شيء هو حقها وعند ذلك تهجر تلك المدينة وتحتقر وتهمل وتصبح لا خير فيها أبدا لأنها فتحت أبوابها للغرباء، وأطلعتهم على مكنوناتها وجمالها، وجعلتهم يلعبون ويعبثون بها، إلى أن جردوها من الغالي والنفيس، وهذا هو الشيء الوحيد الذي حصدته منهم الندامة والحسرة.
أما المدينة الجميلة الثانية وما تحتويه من الخيرات والغنائم والجمال المكنون فكله محفوظ وهذا بفضل الله عز وجل ومن ثم الحصن الذي يحيطها من جميع الجهات المانع عنها الفضوليين الذي يرغبون في دخولها أو رؤيتها على الأقل ولكنه منعهم بشدة، فلم يكتفي بذلك ولكنه جعل منها مدينة ذات هيبة ومكانة رفيعة لا يقدر أي أحد أن يتعدى عليها وهو يعلم كل العلم أن بداخل هذا الحصن الضخم مدينة جميلة بهية ذات خيرات كثيرة ولكنه لا يقدر ولا يتجرأ أن يتعدى عليها أبدا فهي بذلك قد حافظت على نفسها وعلى سمعتها وعلى ما حباها الله من النعم والكرامة محتفظة بها لنفسها ولأهلها ولذوي الشأن عندها غير آبهة بما يقوله عنها ذوي