فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 649

(مسألة: ي) : تطلق النية على معنيين: أحدهما قصد العمل وإرادته وانبعاث النفس إليه لتحصيل ما هو محبوب لها في الحال أو المآل ، وهو طلب رضا الله تعالى والخوف من عقابه ، وهذه هي التي بحث على تصحيحها جميع العلماء والصالحين ، وهي خارجة عن اختيار العبد ، إذ ما تميل إليه النفس خارج عن الاختيار ، بل من قوي إيمانه ، وكثر خوفه ، وعظمت رغبته فيما أعد الله لأوليائه ، وقل التفاته إلى ما سواه ، صارت قصوده وإراداته في أغلب حركاته تحصيل رضا من آمن به ، وما يبعد من عقابه ، ومن ضعف إيمانه ، وغلبت عليه الشهوات ، وكثرت رغبته في زهرة الدنيا ، صارت قصوده مقصورة عن ذلك ، وإن أتى بأعمال ظاهرها طاعة ، نعم للعبد اختيار في هذه النية ، وتصحيحها بتقوية أسبابها من الإيمان بمولاه ، والرغبة والرهبة فيما أعد من الثواب والعقاب ، لتنبعث الإرادة الصالحة المثمرة للتجارة الرابحة ، وحكم هذه الوجوب في جميع أنواع الطاعات ، والندب في جميع المباحات وفي ترك المعاصي والمكروهات. والثاني على قصد الشيء مقترنًا بفعله ، وهذه هي التي يبحث عنها الفقهاء ، وهي في الحقيقة عين الأولى ، وإنما امتازت عنها باستحضار ذلك عند ابتداء الفعل ، ووجوب ذلك الاستحضار مبني على أن وجوبه لازم ، إما لتميير العبادة عن العادة كالغسل الواجب ، أو المسنون من غسل التبرد ، وإما لتمييز راتب العبادة بعضها عن بعض ، كالصلاة تكون فرضًا أو نفلًا ، فكل ما كان من العبادات مشتبهًا بالعادة أو على مراتب مختلفة لزم استحضار قصده عند ابتدائه ، إلا نحو الصوم والزكاة مما جوّز الشرع فيه تقديم الاستحضار ، وما لم يكن كذلك فلا ، بل اللازم فيه النية بالمعنى الأول وهو إرادة وجه الله تعالى ، فعلم أنه إما أن تجب النيتان معًا كما مر أو الأولى فقط ، فيما سلم من الاشتباه والاختلاف ، وذلك كالإسلام والأذان ومطلق الأذكار والقراءة ، أما العادات وترك المعاصي والمكروهات فلا تجب لها نية ، بل تندب الأولى ليثاب عليها ، ولو أشرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت