الصفحة 10 من 31

2.أن الاعتكاف في غير المسجد الجامع يفضي إلى خروج المعتكف من معتكفه لأداء صلاة الجمعة، وهذا الخروج يبطل اعتكافه لكونه خروج يمكن التحرز منه باعتكافه في المسجد الجامع، وبناء على ذلك لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد جامع [1] .

واعترض على هذا التعليل بعدم التسليم بأن خروج المعتكف لأداء صلاة الجمعة يبطل اعتكافه، بل هو خروجٌ مأذون له فيه، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله:"القول باشتراط موضع تقام فيه الجمعة لا يصح، للأخبار، ولأن الجمعة لا تتكرر فلا يضر وجوب الخروج إليها، كما لوا اعتكفت المرأة مدة يتخللها أيام حيضها ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها ولا يصلى فيه غيرها لم يجز الاعتكاف فيه" [2] اهـ.

أدلة القول الرابع:

استدل أصحاب هذا القول لقولهم بأنه لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة بحديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا [3] .

ووجه الدلالة أن قوله صلى الله عليه وسلم:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"يدل على أنه لا يصح الاعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة إذ الأصل في النفي أن يحمل على نفي الصحة، ومما يؤكد هذا المعنى أن حذيفة رضي الله عنه ما كان لينكر على ابن مسعود رضي الله عنه وهو يعلم علمه وفضله على سكوته وعدم إنكاره على المعتكفين في المساجد بين الدور إلا لأنه قد استقر عنده ما فهمه من النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لا اعتكاف صحيح إلا في المساجد الثلاثة [4] .

واعترض على هذا الاستدلال من عدة وجوه:

الوجه الأول: أنه ضعيف لا يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [5] .

(1) - ينظر: المغني (4/ 462) ، مواهب الجليل (2/ 455) .

(2) - المغني (4/ 463) .

(3) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 316) وابن حزم في المحلى (5/ 195) والطحاوي في مشكل الآثار (7/ 201) .

(4) - ينظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 669) رقم (2786) .

(5) - قد روي هذا الحديث مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع فقد أخرجه ابن حزم في المحلى (5/ 195) من طريق سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينه عن جامع بن أبي اشد عن شقيق بن سلمة عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة"أو قال: مسجد جماعة. قال ابن حزم: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه ولا يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشك، ولو أنه عليه السلام قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شك فصح يقينًا أنه عليه السلام لم يقله قط"اهـ."

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 316) من طريق محمود بن آدم المروزي عن سفيان به، وأخرجه الطحاوي في المشكل (7/ 201) من طريق هشام بن عمار، وأخرجه الإسماعيلي في معجمه من طريق محمد بن الفرج كلاهما عن سفيان.

وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة من طريق سعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن أبي عمر قالا حدثنا سفيان به. قال محمد ناصر الدين الألباني:"وبالجملة فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحديث دون أي تردد فيه لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم وأن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته"اهـ. لكن قد روى هذا الحديث موقوفًا عبد الرزاق في مصنفه (4/ 348) عن سفيان بن عيينه به.

انظر: تهذيب الكمال (2/ 239) ، سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 667) رقم (2786) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت