الصفحة 11 من 31

الوجه الثاني: أن هذا الحديث لو كان ثابتًا مرفوعًا لاشتهر بين الصحابة رضي الله عنهم، لأنه مما توافر الدواعي لنقله واشتهاره، وقد كان أكابر الصحابة يفتون بخلافه، فقد أفتى علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم بأن الاعتكاف يكون في كلَّ مسجدٍ تقام فيه الجماعة [1] ، ولم يثبت عن أحدٍ من الصحابة مخالف في ذلك بل كان العمل مشهورًا بينهم في كل الأمصار دون نكير إلا ما روي عن حذيفة رضي الله عنه.

الوجه الثالث: أنه لو قيل بموجب هذا الحديث لكان جملًا للآية الكريمة {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} على النادر وهذا من معايب الاستدلال [2] .

الوجه الرابع: على تقدير ثبوته فيحمل النفي في هذا الحديث على نفي الكمال فيكون المعنى: لا اعتكاف كامل، جمعًا بين هذا الحديث وأدلة أصحاب القول الأول [3] .

الترجيح:

بعد عرض أقوال العلماء في هذه المسألة وأدلتهم يظهر - والله أعلم - أن القول الراجح في هذه المسألة هو القول الأول وهو أن الضابط في المسجد الذي يشرع الاعتكاف فيه للرجل هو المسجد الذي تقام فيه الجماعة، لقوة أدلة هذا القول، ولضعف أدلة الأقوال الأخرى، ثم إن هذا القول هو الذي عليه أكابر الصحابة كعلي وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم وهم أعلم الناس بمدلول النصوص الشرعية والله تعالى أعلم.

ثانيًا: ضابط المسجد الذي يشرع للمرأة الاعتكاف فيه:

تختلف المرأة عن الرجل في أنها لا تجب عليها صلاة الجماعة عند جميع العلماء، ومن هنا لم يقل أحد من العلماء بأن المرأة يلزمها الاعتكاف في مسجدٍ تقام فيه الجمعة أو الجماعة وإنما اختلفوا في اشتراط اعتكافها في أي مسجد أو أن ذلك لا يشترط وأنّ لها أنْ تعتكف في مسجد بيتها على قولين مشهورين:

(1) - ينظر: (ص 11) .

(2) - ينظر: فقه الاعتكاف للمشيقح (ص 122) وقد نقل هذا الوجه عن الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.

(3) - المرجع السابق (ص 123) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت