الصفحة 3 من 31

وقد كان الاعتكاف معروفًا في الجاهلية قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما يدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنتُ نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم"أوفِ بنذرك" [1] .

وحقيقة الاعتكاف لغة: تدور مادته على العين والكاف والفاء، قال ابن فارس رحمه الله: (العين والكاف والفاء أصل صحيح يدل على مقابلة وحبس، يقال: عَكَف يعكفُ ويعكِف عكوفًا، وذلك إقبالك على الشيء لا تنصرف عنه) [2] اهـ.

والاعتكاف افتعال من عكف على الشيء يعكفُ ويعكِف، ويأتي لازمًا ومتعديًا فأمّا اللازم فمصدره العكوف، والعكوف هو الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم [3] له ومنه قول الله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ} [4] . وقول الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [5] وقول الله تعالى عن موسى عليه السلام: {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [6] . وقول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [7] وقول الله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [8] .

وأما المتعدي فمصدره العكف ويأتي بمعنى الحبس والمنع [9] ومنه قول الله تعالى: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [10] قال ابن جرير الطبري رحمه الله"أي محبوسًا عن أن يبلغ محله" [11] اهـ.

والاعتكاف شرعًا مأخوذ من الفعل اللازم الذي مصدره: عكوف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية"التاء في الاعتكاف تفيد ضربًا من المعالجة والمزاولة لأن فيه كلفة، كما يقال: عمل واعتمل وقطع واقتطع" [12] اهـ.

(1) - أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 274) رقم (2032) أو مسلم في صحيحه (3/ 1277) رقم (1656) .

(2) - معجم مقاييس اللغة (4/ 108) (مادة عكف) .

(3) - ينظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (ص579) ، النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 284) ،

المصباح المنير (ص 219) ، لسان العرب (9/ 341) ، القاموس المحيط (ص 1084) .

(4) - سورة الأعراف، الآية 138.

(5) - سورة الأنبياء، الآية: 52.

(6) - سورة طه، الآية: 97.

(7) - سورة البقرة، الآية: 187.

(8) - سورة البقرة، الآية: 125.

(9) - ينظر: لسان العرب (9/ 341) .

(10) - سورة الفتح، الآية: 25.

(11) - جامع البيان (13/ 27 / 95) ، وانظر: تفسير ابن كثير (4/ 196)

(12) - شرح العمدة (2/ 707) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت