فهرس الكتاب
بأن ما وراء المادة لا يُسبر غوره، ولا يُعرف له حدود. وفساد الأديان ينشأ غالبا عن هذه الجراءة في الاختلاق والإضافة، وما يقبل هذا رب العالمين الذى منح الناس عقولا تميز الخبيث من الطيب، والدخيل من الأصيل. إن العقل الإنسانى مناط التكليف، وهو ضابط محترم،، وما يرفضه لا قيمة له، ولا يجوز الخلط بين ما يحكم العقل باستحالته، وبين ما يعجز عن اكتناهه أو كما يقولون: إن عدم العلم ليس علما بالعدم!! وقد رأيت أنه باسم الدين تقبل فنون من الشعوذة والترهات، أو تقبل قضايا مشحونة بالمتناقضات العلمية والخلقية، لأنها ـ كما زعموا ـ جاءت من عند الله. كلا فالله لا يجىء من عنده إفك (ومن أصدق من الله حديثا) إن الوحى أساس الدين بلا ريب، وعندما يلهم الله بشرا بجملة من المعانى فقد ألهمه جملة من الحقائق التى لا يرقى إليها باطل، ولهذا الإلهام طرقه المحصورة كما جاء في كتابنا (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم) وقد كلم الله موسى من وراء حجاب، وألهم إبراهيم ما يريده منه، وأرسل أمين الوحى إلى محمد فكلفه بما شاء. وطبيعى أن الموحى إليه يعرف معرفة اليقين أن ما يجيئه هو من عند الله سبحانه، فلا حيرة ولا قلق ولا تردد، وعلامة الصدق تكمن في الوحى نفسه، فأى آفة به تصرفنا عن تصديقه: (. . .ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) إذ يستحيل أن يوحى الله بالأكاذيب والترهات، كما يستحيل أن يقع بين الوحى والعقل خلاف، فلا فجوة البتة بين دين صحيح وعقل سليم. ص _070