الصفحة 21 من 54

وإن قيل: إن اكتساب الشركة لمبلغ القرض من طريق محرم، وهو القرض الربوي هنا؛ يفسد تصرفها به، وما حصل لها من استثمارات بهذا المال يعد كسبًا حرامًا، لأنه بني على عقد فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد.

فالجواب: أن هذا ينبني على قاعدة مشهورة، وهي: هل تتعين النقود بالتعيين أو لا؟، وللعلماء أقوال في النقود هل تتعين بالتعيين في العقود والقبوض؟، فقيل: تتعين مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في أظهر الروايتين، وقيل: لا تتعين مطلقًا، كقول ابن قاسم، وقيل: تتعين في الغصب والوديعة؛ دون العقد، كقول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى [1] .

ومما يتفرع على هذا الأصل: تصحيح تصرفات حائز المال الحرام لكسبه، لأن الحرام تعلق بذمته لا بعين ما بيده، وهذا قول جيد، لأمور:

أ - لأنه يجوز إطلاقها في العقد.

ب - ولأن النقود الورقية المعاصرة متساوية في القيمة، ولا تتفاوت كالنقود القديمة المسكوكة من ذهب وفضة، فقد كان فيها الصحيح والمغشوش، والجيد والرديء.

ج - ولأن المال دخل في ضمان هذا المكتسب، وهو إنما يتصرف بذمته، ويبذل النقود بعد ذلك، وتصرفه بذمته صحيح، وإن كانت مشغولة بالمال المحرم، فهذا شيء وذاك شيء.

وعليه فإن من أبرم عقد القرض الربوي آثم، ومن رضي بهذا التصرف فهو مثل من باشره، لكن تصرف الشركة بالمال بعد ذلك صحيح، والجهة منفكة هنا، لأن النقود لا تتعين بالتعيين، والله تعالى أعلم.

ولهذا: فإن من اشترى سلعة حلالًا بمال حرام، والثمن نقود، يجوز شراؤها منه، لأن النقود لا تتعين بالتعيين على الراجح من قولي الفقهاء [2] ، وبالأخص بالنقود الورقة المعاصرة، لأنها مثلية لا تتفاوت، وفي هذا يعبر القرافي موافقًا ابنَ رشد بأن: الحرام مرتب في الذمة، لا بما في اليد [3] .

(1) المغني (4/ 183) ، مجموع الفتاوي (29/ 243) ، وفرع ابن رجب في الفائدة السادسة في آخر قواعده فروعًا على هذه القاعدة، وجعلها من القواعد التي اشتهر فيها الخلاف في المذهب.

(2) الذخيرة (13/ 319) .

(3) المرجع السابق (13/ 320) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت