الصفحة 36 من 54

لشريكه تعاطي تلك العقود، بسبب استحلاله لها في دينه، فإذا ثبت هذا في حق من نقره شرعًا على تلك العقود، فإن منع التمادي مع من لا نقره شرعًا عليها من باب أولى.

ومحصل القول: أنه لا يجوز التمادي في إمساك الأسهم العائدة لشركات مختلطة بالربا، ولو مع التزام التطهير، والقول بالجواز - وإن قال به بعض الفضلاء من المعاصرين - ضعيف فقهًا، وهو لمن أنعم النظر فيه لا يتسق مع نسق هذه الشريعة المباركة، فإن الفقه جرى منذ العهود الأولى على أن التصدق بقدر الحرام، لا يكون إلا مع الفَوت ومضي العقد، وعدم إمكان الاستدراك، فأما قبل ذلك فإن العقد يفسخ وجوبًا [1] .

وإذا منع التصرف في شيء، منعت استدامته، لأن الاستدامة في وضع اليد على المحرم كالابتداء، ويلزم المساهم في هذه الحال التخلص من أسهمه بأي طريق مشروع، ببيعها لمن يشتريها منه ونحوه، لكن هذا اللزوم يتعلق بأول أوقات الإمكان [2] ، فلو لم يستطع التخلص من هذه الأسهم إلا بعد مضي مدة ذات بال، كأيام أو أسابيع، فقد أدى ما عليه، ولو فرض أنه حصل لهذه الأسهم ارتفاع في قيمتها السوقية فهذا له، ولا يلزمه تطهيرها بالتخلص من قدر الزائد، لأنه معذور قبل ذلك [3] .

الفرع الثاني: أدلة المنع من التمادي في المساهمة مع التزام التطهير:

مما يدل للمنع ما احتج به المانعون للإسهام في شركات تتعاطى المحرم.

(1) شرح مسائل ابن جماعة التونسي في البيوع؛ لأبي العباس القباب (ت 778هـ) ، ص (184) ، دار ابن حزم، ط أولى، 1428هـ.

(2) تقرير القواعد؛ لابن رجب .

(3) وقد ذكر ابن رجب أن من يتعمد الشروع في فعل محرم، عالمًا بتحريمه، ثم يريد تركه والخروج منه، وهو متلبس به، فيشرع في التخلص منه بمباشرة أيضًا، كمن توسط دارًا مغصوبة ثم تاب وندم وأخذ في الخروج منها، وما أشبه ذلك: هل تصح التوبة في هذا الحال ويزول الإثم بمجردها، أو لا يزول حتى ينفصل عن ملابسة الفعل بالكلية، قال: فيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: وهو قول ابن عقيل أن توبته صحيحة، ويزول عنه الإثم بمجردها، ويكون تخلصه من الفعل طاعة، وإن كان ملابسًا له، لأنه مأمور به فلا يكون معصية، ولا يقال من شرط التوبة الإقلاع ولم يوجد، لأن هذا هو الإقلاع بعينه ... الخ، اهـ بتصرف من تقرير القواعد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت