الصفحة 4 من 54

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين، وبعد:

فإن من طبيعة هذه الشريعة التيسير والسماحة، وإن من مظاهر التيسير فيها ما اختصت به من انفساح طرق التوبة، واتساع أحكام التدارك والتخلص من أوضار الذنوب، والتفصي من آثار المعاصي المستخبثة.

وقد كثر القول فيما يتعلق بالتعامل مع الأموال المحرمة، فيما إذا اختلطت بالأموال المباحة، وبالأخص في شأن أسهم الشركات المساهمة، وكان من جهات الإشكال في الموضوع ما يتعلق بالأحكام الفقهية لتطهير هذه الأموال المختلطة من الحرام، وهو ما كان يسميه بعض الفقهاء كأبي حامد الغزالي بـ (التخلص) ، وربما تعارضت الفتاوي في المسألة الواحدة، بين ملزم بالتطهير وآخر غير ملزِم، والحال أن الواقعة واحدة.

ولا جرم فأكثر مسائل المعاملات يراها الفقهاء من أشد أبواب الفقه صعوبة واستعصاء على الضبط، لهذا ورد عن السلف التحذير من الإسراع إلى القول فيها دون تحرٍّ، فعن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح [1] قال:"ما رأيت أبي - يعني عطاء بن أبي رباح - يتحفظ في شيءٍ؛ ما يتحفظ في البيوع" [2] ، ولذا لم تكن مسائل البيوع تؤخذ من كلِّّ أحد، فعن أشهب بن عبد العزيز قال: قال مالك:"كان سعيد بن المسيب عالمًا بالبيوع، فقيل له: فسليمان بن يسار [3] ، قال: لم أسمع" [4] .

وتطمح هذه الدراسة إلى تحرير قاعدة التطهير المالي في الشريعة، من خلال تطبيقها على القضايا المتعلقة بالمال الحرام في مجال أسهم الشركات المساهمة، والغرض منها لم شتات

(1) يعقوب بن عطاء بن أبى رباح: مولى قريش، توفي عام (155هـ) ، مشاهير علماء الأمصار؛ لأبي حاتم ابن حبان البستي (145) ، دار الكتب العلمية، بيروت.

(2) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد (5/ 468) .

(3) سليمان بن يسار: هو الهلالي المدني، أحد فقهاء المدينة السبعة، مولى ميمونة، وقيل أم سلمة، ثقةٌ فاضل، توفي بعد المائة للهجرة، وقيل قبلها، تقريب التهذيب؛ لابن حجر (255) .

(4) المعرفة والتاريخ؛ ليعقوب بن سفيان (1/ 256) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت