الصفحة 42 من 54

وقال أبو العباس ابن تيمية في الصدقة به: هو قول محققي الفقهاء [1] .

وقد روي هذا عن ابن مسعود o أنه اشترى جارية، فدخل بيته ليأتي بالثمن، فخرج فلم يجد البائع، فجعل يطوف على المساكين ويتصدق عليهم بالثمن ويقول: اللهم عن رب الجارية، فإن قبل فذاك، وإن لم يقبل فهو لي، وعلي له مثله يوم القيامة [2] .

وأما ماروي عن الإمام الشافعي وغيره من وقف هذا المال، وعدم التصرف فيه؛ فمقصودهم - والله أعلم: إذا كان ذلك ممكنًا، وكان يرجى معرفة صاحبه [3] ، وقد ذهب بعض أهل الورع من السلف كالفضيل بن عياض إلى إتلاف هذا المال وعدم التصرف فيه لخبثه [4] ، وهو قول مهجور، سيأتي الجواب عنه قريبًا بعون الله.

المطلب الثاني: الترجيح:

بعد أن تبين لنا أن الحنفية يجعلون مصرف هذه الأموال: إلى الفقراء والمساكين، وأن الجمهور يوسعون الدائرة، ويدخلون فيها جميع المصالح وسائر جهات الخير، يحسن بنا أن نجيل النظر في أقرب القولين للأدلة، وأكثرهما تحقيقًا لمقصود الشارع.

والنظر الفقهي يقتضي صرف هذه الأموال المحرمة لوصفها وكسبها، وما لا يعرف أربابه: في جهات الخير العامة، ويكون حائزها مفوضًا في تصريفها على ما تقتضيه المصلحة الشرعية، ويكون الأولى هو الأحوج فالأقل حاجة، فلو وجد في البلد فقراء تمس حاجتهم إليه كانوا أولى به، وإن وجد مرفق عام لا يقوم به إلا هذا المال، وبالناس حاجة إليه صرفه فيه، كما لو احتاج الناس إلى تعبيد طريق، أو إنشاء مرافق حاجية كخزانات المياه ودورات المياه، أو مؤسسات تعليمية وتدريبية، فهذه من المصارف الصحيحة.

(1) الإنصاف (11/ 214) .

(2) مجموع فتاوي ابن تيمية (29/ 262) .

(3) المرجع السابق.

(4) الورع (135) ، جامع العلوم والحكم (1/ 265) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت