الصفحة 44 من 54

وصف الخبث في هذا المال خاص بمكتسبه من طريق محرم، فأما إذا بذله لجهة مشروعة - مباحة أو مستحبة - فإن الخبث حينئذ يزول ويتحول، لانفكاك الجهة، فهو مباحٌ على أصل الإباحة، والقاعدة أن المال المحرم"إذا قبض بحق أبيح" [1] .

وهذا ما جاء مصرحًا به في حديث هدية بريرة، وبوَّب عليه البخاري"باب إذا تحولت الصدقة"، وفيه: عن أنس o أن النبي § أتي بلحم تصدق به على بريرة فقال: (هو عليها صدقة، وهو لنا هدية) [2] .

قال الحافظ ابن حجر في شرحه الحديث:"لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة فحلت محل الهدية وكانت تحل لرسول الله صلى الله عليه و سلم بخلاف الصدقة" [3] اهـ، وقال في موضع آخر:"يؤخذ منه أن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين" [4] اهـ.

خلاصة القول: أن مصرف المال المحرم لكسبه، مما لم يُعلم صاحبه، أو عُلم لكنه بذله برضاه في مقابل منفعة محرمة، أنه يصرف في وجوه الخير، ويتحرى الأشد حاجة، يستوي في ذلك الفقراء والمساكين، والمصالح والمرافق العامة، والمساجد والمصاحف، وحلقات التحفيظ، والدعوة إلى الله تعالى، ومشروعات الخير والنفع العام.

ويشترط في ذلك كله أن لا ينتفع حائز المال الحرام من صرفه، فلا يجلب لنفسه خيرًا، ولا يدفع عن نفسه به مضرة، ولا يحابي بها قريبًا ولا حبيبًا [5] ، فلا يجوز له أن يأكله، أو يبذله في النفقة التي تلزمه، أو يدفعه مقابل الغرامات والضرائب المفروضة عليه، ما لم يكن هو ذاته فقيرًا أو من أهل الصدقة، فإن كان كذلك فله أن يأخذ من هذا المال بقدر ما

(1) مجموع الفتاوي (29/ 331) .

(2) أخرجه البخاري برقم (1424) ، ومسلم برقم (2535) .

(3) فتح الباري (3/ 357) .

(4) المرجع السابق (5/ 204) .

(5) انظر: الإنصاف (6/ 212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت