ومنه ما ورد من فَرْضِ رسول الله § صدقة الفطر"طهرة للصائم من اللغو والرفث" [1] .
ومقصودي في هذا البحث المعنى الأخير - المعنوي -، وبالأخص: تطهير المال المختلط بالحرام، بإخراج المال المحرم لكسبه، أو إخراج مقداره إذا لم يمكن الوقوف على عينه، وبهذا يطهر المال ويزكو، لأنه إذا زال الحرام زال التحريم، بعلة أن الخبث في هذا المال عرضي لا ذاتي.
واستعملها المعاصرون في تخليص المال من الحرام، بإخراج العنصر المحرم أو ما يساويه.
وصرَّفوا هذه الكلمة على جميع أوجهها بما لا يخرج عن هذا المعنى، فقالوا في تعبيراتهم: طهَّرَ الرجلُ مالَه يُطهِّرُه تطهيرًا: أخرج قدر الحرام منه، واشتقوا منه اسمًا فقالوا: تطهير المال من المحرم.
والغالب أنهم يقصرون هذا اللفظ على عملية التحرر من المحرم بقصد التخلص لا بقصد الصدقة، ولهذا لا يقولون بعد التطهير: مالٌ طاهر، وإنما يعبرون عنه بالحلال، فهذا مالٌ حلال، وهذا حرام.
والتطهير عندهم معلول الاختلاط بالمحرم، فيلزمون المالك بإخراج قدر الحرام لهذه العِلِّية، ويسمون هذا العمل تطهيرًا.
وذلك أن المال المحرم: خبيث، وإذا داخَلَ حُرَّ مال المرء خبَّثه، فيحتاج المرء حينئذٍ إلى تطهير ماله بالتخلص من قدر الحرام [2] ، ومما يشير إلى نحو هذا المعنى تسمية النبي § ما يقابل الزكاة الواجبة: وسخًا، فقال:"إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" [3] .
فإذا كان المال الحلال يخبث بعدم إخراج الزكاة، مع كونه مباح الأصل، فإن خبثه بتطرق المال المحرم كالربا ونحوه من باب أولى.
(1) أخرجه أبو داود برقم (1609) ، وابن ماجه برقم (1827) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) المغني (4/ 309) .
(3) أخرجه مسلم برقم (1072) ، من حديث المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب o.