الفصل الأول: قاعدة التطهير المالي في المجال الفقهي:
المبحث الأول: معنى القاعدة (وذكر أنواع التطهير) .
المطلب الأول: مفهوم التطهير المالي:
يحسن البدء بتحديد مفهوم التطهير المالي لغة واصطلاحًا، ثم أتبعه ببيان أنواع التطهير.
أ _ التطهير المالي في اللغة:
التطهير مشتق من الطهارة، وأصل هذه المادة: النقاء وزوال النجس والدنس، قال امرؤ القيس:
أَحنظلَ لو حامَيتمُ وصبرتُمُ ... لأثنيتُ خيرًا صادقًا ولأرضانْ
ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌ ... وأَوْجهُهم عند المَشَاهِد غُرّانْ [1]
يقال: فلانٌ طاهر الثِّياب، وطاهر الجيب؛ إِذا لم يكن دَنِسَ الأَخْلاق، ولا يند عن بالك أن هذا استعارة وليس بحقيقة.
ومن ثم أطلقوا هذا اللفظ على الطهارة الحسية والمعنوية، فمن الحسية قوله تعالى: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [سورة التوبة (108) ] .
وغالب استعمال الفقهاء له كان في مجال الحسيات، كتطهير النجاسة بالماء مثلًا.
ومن المعنوية قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [سورة المدثر (4) ] .
ومنها أيضًا: تطهير الزكاة للمال، فإن أصل الزكاة في اللغة: التطهير والنماء [2] ، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة التوبة (103) ] .
فهذا مأخذ تسمية المال المفروض على المال النامي: زكاة، لأنه يصير بإخراج القدر الواجب منه حلالًا، ولولاه لخبث.
(1) طهارَى: جمع طاهر، وغُرَّان: جمع أغرّ، وهو الأبيض.
(2) لسان العرب، مادة (زكا) .