عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة (173) ] ، ثم عقَّب بالنهي عن أكل المال المباح بأصله، المحرم لكسبه [1] ، فقال تعالى: {وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة (188) ] .
وفيما يأتي بيان هذين القسمين [2] :
أولهما: المال المحرم لذاته:
وهو الذي جاء الشرع بتحريمه لعينه، تحريمًا لا ينفك عنه بحال، لضرره أو لخبثه، كالخمر والخنزير والميتة والدم [3] ، ووصف هذه الأشياء بالمالية جارٍ على قاعدة المجاز، وإلا فإنها ليست بمال بالمعنى الشرعي، إذ المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة المائدة (3) ] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة المائدة (90) ] .
ويتم التطهير بالنسبة لهذه الأموال بالتخلص منها، بإراقة الخمر، وإتلاف الميتة ولحم الخنزير ونحوها.
وهذا النوع من الأموال ليس هو محل البحث هنا، وإنما ذكرته سبكًا للتقسيم، وسيقتصر البحث على النوع الثاني، وهو المال المحرم لكسبه.
ثانيهما: المال المحرم لكسبه:
وهو ما جاء الشرع بتحريمه لا لذاته، بل لكسبه، وهو المال المحرم لجهة اكتسابه، لا لعينه وذاته، كالمال المأخوذ على سبيل المخالفة للشرع، بالربا والميسر، أو المأخوذ قهرًا، بالغصب والسرقة والخيانة، أو المأخوذ عوضًا عن عين أو نفع محرم، كثمن الخمر والدم والخنزير والأصنام ومهر البغي وحلوان الكاهن. فهذه الأنواع حُرْمتها إضافية، فهي محرمة لغيرها، لا لذاتها، وجهة التحريم منفكة عن الذات والماهية، لتعلقها بذمة الكاسب.
والمحرم لكسبه إما أن يكون تحريمه تحريم مقاصد، كربا النسيئة وربا القروض، وإما أن يكون تحريم وسائل، كربا الفضل، فهو محرم سدًا لذريعة ربا النسيئة، والأول أغلظ تحريمًا [4] .
وقد صرَّح النبي § بعلة النهي في ربا الفضل، وأنه يخشى التوسل به إلى ربا النسيئة، ففي حديث ابن عمر u قال قال رسول الله §:"لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإنى أخاف عليكم الربا" [5] .
والمال الربوي كله يحرم الانتفاع به، وإن كان أصل النقد الذي بيد المرابي مباحًا، لكن جرى التحريم لسبب خارج، ولذا يسمى: المال"الحرام بسببه" [6] ، أو المال"الحرام لكسبه" [7] .
ويمكن القول على سبيل الإجمال أن: كل معاوضة انعقد تحريمها بالشرع، فالمال المقبوض فيها إذا كان مباح الأصل فهو محرم لكسبه.
(1) انظر: الدرر السنية (13/ 122) .
(2) انظر: مجموع الفتاوي (29/ 320) ، بدائع الفوائد (3/ 219) .
(3) الفروق؛ للقرافي (3/ 96) .
(4) انظر: إعلام الموقعين (2/ 155) .
(5) أخرجه أحمد (2/ 109) ، قال الهيثمي في المجمع (4/ 105) :"فيه جناب الكلبي، وهو مدلس"اهـ، ويبين ابن القيم في الإعلام (2/ 155) المآل الذي راعته الشريعة في هذا الحكم بقوله:"وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين، إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة وغير ذلك؛ تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئة"اهـ.
(6) الذخيرة؛ للقرافي (13/ 322) .
(7) مجموع الفتاوي؛ لابن تيمية (29/ 320) .