فهرس الكتاب
فإنكم أعذرتم من التبست عليه الأدلة في موانع التكفير وشروطه ، وفي كون بعض الأفعال من الكفر الأكبر أو لا .. ثم التجأتم إلى الإجماع ..
فإن وصلنا إلى هذه المرحلة ، فإن نقض ادعائهم بسيط .. وهو أن مخالف الإجماع لا يكفر إلا إن أقيمت عليه الحجة ، وهذا بإجماع أهل العلم .. لأن الإجماع من المسائل الخبرية العلمية التي لا يكفر صاحبها إلا بعد إقامة الحجة .
وحجية الإجماع - إن ثبت - هو كحجية النص .. فكما أن النص قد يُؤوّل فيُعذر صاحبه بالتأويل ، فكذلك الإجماع .
وحتى إن تم نقل الإجماع في كفر صاحب فعل ما ، فإنه قد يؤوّل إلى الكفر الأصغر ، كما أوّل الأئمة كفر تارك الصلاة بالأصغر ، وكما أوّل بعضهم كفر القائل بخلق القرآن بالأصغر .
قال ابن قدامة - رحمه الله - في [المناظرة في القرآن: 19] :
[-- واتفق المنتمون إلى السنة على أن القائل بخلق القرآن كافر ، منهم من قال: كفر ينقل عن الملة ، ومنهم من قال لا ينقله عنها --]
وقال ابن تيمية في [مجموع الفتاوى: 12/486-488] :
[-- وَالْجَهْمِيَّة - عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ: مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَيُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد ، وَغَيْرِهِمْ - لَيْسُوا مِنْهُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً الَّتِي افْتَرَقَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ ؛ بَلْ أُصُولُ هَذِهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ: هُمْ الْخَوَارِجُ وَالشِّيعَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ ، وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَد ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . ثُمَّ حَكَى أَبُو نَصْرٍ السجزي عَنْهُمْ فِي هَذَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ . قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ . وَلِذَلِكَ قَالَ الخطابي: إنَّ هَذَا قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ . وَكَذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَخْلِيدِ الْمُكَفَّرِ مِنْ هَؤُلَاءِ ؛ فَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَيْهِ التَّخْلِيدَ ، كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ؛ كَأَبِي حَاتِمٍ ، وَأَبِي زُرْعَةَ ، وَغَيْرِهِمْ . وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّخْلِيدِ . وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ