الصفحة 58 من 95

[-- وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا ، فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِهِ ، وَيُقَالُ: مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ . لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا . وَهَذَا كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - سبحانه وتعالى - يَقُولُ: { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } . فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ حَقٌّ ، لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْوَعِيدِ ، فَلَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالنَّارِ ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ ، لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ . فَقَدْ لَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ بَلَغَهُ ، وَقَدْ يَتُوبُ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَقَدْ تَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ عَظِيمَةٌ تَمْحُو عُقُوبَةَ ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ ، وَقَدْ يُبْتَلَى بِمَصَائِبَ تُكَفِّرُ عَنْهُ ، وَقَدْ يَشْفَعُ فِيهِ شَفِيعٌ مُطَاعٌ . وَهَكَذَا الْأَقْوَالُ الَّتِي يَكْفُرُ قَائِلُهَا ؛ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ ، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِهَا ، وَقَدْ يَكُونُ قَدْ عَرَضَتْ لَهُ شُبُهَاتٌ يَعْذُرُهُ اللَّهُ بِهَا . فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَأَخْطَأَ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ ، كَائِنًا مَا كَانَ . سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوْ الْعَمَلِيَّةِ ، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ . وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِلَ إلَى مَسَائِلِ أُصُولٍ يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهَا ، وَمَسَائِلِ فُرُوعٍ لَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهَا . فَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعٍ وَتَسْمِيَتِهِ مَسَائِلَ الْأُصُولِ ، وَبَيْنَ نَوْعٍ آخَرَ وَتَسْمِيَتِهِ مَسَائِلَ الْفُرُوعِ: فَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ، لَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ ، وَلَا أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ . وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَعَنْهُمْ تَلَقَّاهُ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ ، وَهُوَ تَفْرِيقٌ مُتَنَاقِضٌ . فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ: مَا حَدُّ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يَكْفُرُ الْمُخْطِئُ فِيهَا ؟ وَمَا الْفَاصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ ؟ فَإِنْ قَالَ: مَسَائِلُ الْأُصُولِ هِيَ مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ ، وَمَسَائِلُ الْفُرُوعِ هِيَ مَسَائِلُ الْعَمَلِ . قِيلَ لَهُ: فَتَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ رَأَى رَبَّهُ أَمْ لَا ؟ وَفِي أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ أَمْ عَلِيٌّ أَفْضَلُ ؟ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ ، وَتَصْحِيحِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ، هِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ ، وَلَا كُفْرَ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ . وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ هِيَ مَسَائِلُ عَمَلِيَّةٌ ، وَالْمُنْكِرُ لَهَا يَكْفُرُ بِالِاتِّفَاقِ . وَإِنْ قَالَ الْأُصُولُ: هِيَ الْمَسَائِلُ الْقَطْعِيَّةُ ، قِيل لَه: كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْعَمَلِ قَطْعِيَّةٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً . وَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ ، وَقَدْ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ رَجُلٍ قَطْعِيَّةً لِظُهُورِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ لَهُ ، كَمَنْ سَمِعَ النَّصَّ مِنْ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَيَقَّنَ مُرَادَهُ مِنْهُ . وَعِنْدَ رَجُلٍ لَا تَكُونُ ظَنِّيَّةً فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً ، لِعَدَمِ بُلُوغِ النَّصِّ إيَّاهُ ، أَوْ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ ، أَوْ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْعِلْمِ بِدَلَالَتِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثُ الَّذِي قَالَ لِأَهْلِهِ: { إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذروني فِي الْيَمِّ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ . فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَالْبَحْرَ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَقَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت ؟ قَالَ خَشْيَتَك يَا رَبِّ ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ } فَهَذَا شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ ، وَفِي الْمَعَادِ ، بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَعُودُ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ . وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ --]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت