الصفحة 59 من 95

ومن الفتاوى التي يُردّ بها على هؤلاء القوم ، فتوى تحكيم شريعة الكفار في بعض المواضع المتشابهة ، مع إجماع المسلمين على حرمة الحكم بغير ما أنزل الله .

قال ابن حزم - رحمه الله - في [المحلى: 9/307-308] :

[-- مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَاتَ لَهُ مَوْرُوثٌ وَهُمَا كَافِرَانِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَيُّ ، أُخِذَ مِيرَاثُهُ عَلَى سُنَّةِ الإِسْلاَمِ ، وَلاَ تُقَسَّمُ مَوَارِيثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلاَّ عَلَى قَسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمَوَارِيثَ فِي الْقُرْآنِ .

برهان ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }

وَقَوْله تَعَالَى: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا } .

وَلاَ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَدَعُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَيَحْكُمُ بِحُكْمِ الْكُفْرِ ، وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ حُكْمُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَأَنَّهُ الضَّلاَلُ الْمُبِينُ ، وَاَلَّذِي لاَ يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ عَجِيبٌ .

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي هَلَكَ ، فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِي فِي مِيرَاثِهِ ، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ فَقَالَ: أَلاَ تُعْطُونَ هَذِهِ حَقَّهَا ؟ فَقَالُوا: لاَ نَجِدُ لَهَا حَقًّا فِي كِتَابِنَا . فَقَالَ: أَفِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالُوا: بَلَى ، فِي الْمُثَنَّاةِ . قَالَ: وَمَا الْمُثَنَّاةُ ؟ قَالُوا: كِتَابٌ كَتَبَهُ أَقْوَامٌ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ . فَسَبَّهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَعْطُوهَا حَقَّهَا .

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى حَيَّانَ بْنِ شُرَيْحٍ: أَنْ اجْعَلْ مَوَارِيثَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ - عز وجل - .

وقال أبو حنيفة: مَوَارِيثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَحْكَامِ دِينِهِمْ ، إِلاَّ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا .

وقال مالك: تَقْسِيمُ مَوَارِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى حُكْمِ دِينِهِمْ ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ ، أَوْ لَمْ يُسْلِمْ . وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا أَخَذَ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ: قَسَمَ عَلَى حُكْمِ الإِسْلاَمِ ، وقال الشافعي وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت