الصفحة 82 من 95

اسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } ، وَقَوْلُهُ: { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } ، فَقَدْ اسْتَشْهَدَ بِمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ . فَإِنَّ اللَّفْظَ كَانَ بِقَوْلِهِ: { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } أَيْ اجْعَلْ ذَلِكَ بِقَدْرِ ، وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ . وَقَوْلُهُ: { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أَيْ: جَعَلَ رِزْقَهُ قُدِرَ مَا يُغْنِيه مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ ، إذْ لَوْ يَنْقُصُ الرِّزْقُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَعِشْ . وَأَمَّا (قَدَرَ) بِمَعْنَى (قَدَّرَ) . أَيْ أَرَادَ تَقْدِيرَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، فَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إنْ قَدَّرَ عَلَيَّ رَبِّي الْعَذَابَ ، بَلْ قَالَ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ رَبِّي ، وَالتَّقْدِيرُ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَئِنْ قَضَى اللَّهُ عَلَيَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّقْدِيرَ أَوْ التَّضْيِيقَ لَمْ يَكُنْ مَا فَعَلَهُ مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ فِي ظَنِّهِ . وَدَلَائِلُ فَسَادِ هَذَا التَّحْرِيفِ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا ، فَغَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجَمِيعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ مِنْ الصِّفَاتِ ، وَبِتَفْصِيلِ أَنَّهُ الْقَادِرُ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ يَجْهَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ كَافِرًا .

وَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَجَدَ فِيهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا يُوَافِقُهُ ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: « أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قُلْنَا: بَلَى . قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهَا عِنْدِي ، انْقَلَبَ ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ ، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، وَبَسَطَ طَرَفَ إزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ وَاضْطَجَعَ ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي رَقَدْت ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا ، وَانْتَقَلَ رُوَيْدًا ، وَفَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا ، فَخَرَجَ . ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا ، فَجَعَلْت دِرْعِي فِي رَأْسِي ، وَاخْتَمَرْت وَتَقَنَّعْت إزَارِي ، ثُمَّ انْطَلَقْت عَلَى إثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ . فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْت ، وَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْت ، فَهَرْوَلَ وَهَرْوَلْت ، وَأَحْضَرَ وَأَحْضَرْت ، فَسَبَقْتُه ، فَدَخَلْت . فَلَيْسَ إلَّا أَنْ اضْطَجَعْت ، فَقَالَ: مَا لَك يَا عَائِشَةُ ، حشيا رَابِيَةً ؟ قَالَتْ: لَا شَيْءَ . قَالَ: لِتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . قَالَتْ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَأَخْبَرْته . قَالَ: فَأَنْتَ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْت أَمَامِي ؟ قُلْت: نَعَمْ . فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً أَوْجَعَتْنِي . ثُمَّ قَالَ: أَظْنَنْت أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْك وَرَسُولُهُ ؟ قَالَتْ: قُلْت: مَهْمَا يَكْتُمْ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - أَتَانِي حِينَ رَأَيْت فَنَادَانِي ، فَأَخْفَاهُ مِنْك ، فَأَجَبْته وَأَخْفَيْته مِنْك ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْك ، وَقَدْ وَضَعْت ثِيَابَك وَظَنَنْت أَنَّك رَقَدْت ، وَكَرِهْت أَنْ أُوقِظَك ، وَخَشِيت أَنْ تَسْتَوْحِشِي ، فَقَالَ: إنَّ رَبَّك يَأْمُرُك أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ . قُلْت: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِين ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَلَاحِقُونَ » . فَهَذِهِ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ كُلَّ مَا يَكْتُمُ النَّاسُ ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: نَعَمْ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَلَمْ تَكُنْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهَا بِأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ يَكْتُمُهُ النَّاسُ كَافِرَةً ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِذَلِكَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ ، وَإِنْكَارِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَإِنْكَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ؛ هَذَا مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَى الذَّنْبِ ، وَلِهَذَا لَهَزَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: أَتَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْك وَرَسُولُهُ ؟ وَهَذَا الْأَصْلُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت