الصفحة 81 من 95

[-- وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: { قَالَ رَجُلٌ - لَمْ يُعَجِّلْ حَسَنَةً قَطُّ - لِأَهْلِهِ إذَا مَاتَ فَحَرَقُوهُ ، ثُمَّ أَذَرُّوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ . فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ؛ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ } . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: { أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ، ثُمَّ اسْحَقُونِي ، ثُمَّ أَذْرُونِي فِي الْبَحْرِ . فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا . قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ . فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّ مَا أَخَذْت ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ . فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت ؟ قَالَ: خَشْيَتُك يَا رَبِّ . أَوْ قَالَ: مَخَافَتُك ، فَغُفِرَ لَهُ بِذَلِكَ } . وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ: { قَالَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْت مِنْهُ } . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو ، أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: { كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ . فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إذَا أَنَا مُتّ فَخُذُونِي فذروني فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ، فَفَعَلُوا . فَجَمَعَهُ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى الَّذِي فَعَلْت ؟ فَقَالَ: مَا حَمَلَنِي إلَّا مَخَافَتُك . فَغُفِرَ لَهُ } . وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ: { أَنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ: إذَا أَنَا مُتّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ، وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا ، حَتَّى إذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَوَصَلَتْ إلَى عَظْمِي فَامْتَحَشَتْ فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا ، ثُمَّ اُنْظُرُوا يَوْمًا فذروني فِي الْيَمِّ . فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ: لَهُ لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِك . فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ } . قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو أَنَا سَمِعْته - يَعْنِي النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ ذَلِكَ . وَكَانَ نَبَّاشًا . فَهَذَا الرَّجُلُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا تَفَرَّقَ هَذَا التَّفَرُّقَ ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ إنْكَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْكَارِ مَعَادِ الْأَبْدَانِ ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ ، كَفَرَ . لَكِنَّهُ كَانَ مَعَ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ ، وَإِيمَانِهِ بِأَمْرِهِ ، وَخَشْيَتِهِ مِنْهُ ، جَاهِلًا بِذَلِكَ ، ضَالًّا فِي هَذَا الظَّنِّ ، مُخْطِئًا ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ . وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّجُلَ طَمِعَ أَنْ لَا يُعِيدَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَأَدْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ شَاكًّا فِي الْمَعَادِ ، وَذَلِكَ كُفْرٌ - إذَا قَامَتْ حُجَّةُ النُّبُوَّةِ عَلَى مُنْكِرِهِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ - هُوَ بَيِّنٌ فِي عَدَمِ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى . وَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ بِمَعْنَى: قَضَى ، أَوْ بِمَعْنَى: ضَيَّقَ ، فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ ، وَحَرَّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ . فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ وَتَفْرِيقِهِ لِئَلَّا يُجْمَعَ وَيُعَادَ . وَقَالَ: إذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ، ثُمَّ اسْحَقُونِي ، ثُمَّ ذروني فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا . فَذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ بِحَرْفِ الْفَاءِ عَقِيبَ الْأُولَى ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَهَا ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ . فَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ لَهُ ؛ وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ عَلَيْهِ وَالتَّضْيِيقَ مُوَافِقَانِ لِلتَّعْذِيبِ ، وَهُوَ قَدْ جَعَلَ تَفْرِيقَهُ مُغَايِرًا لِأَنْ يَقْدِرَ الرَّبُّ . قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ . فَلَا يَكُونُ الشَّرْطُ هُوَ الْجَزَاءُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَقَالَ: فَوَاَللَّهِ لَئِنْ جَازَانِي رَبِّي أَوْ لَئِنْ عَاقَبَنِي رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا ، كَمَا هُوَ الْخِطَابُ الْمَعْرُوفُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ: وَلِأَنَّ لَفْظَ (قَدَرَ) بِمَعْنَى ضَيَّقَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي اللُّغَةِ . وَمَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت