فهرس الكتاب
فما هو متقرر عند كل مسلم أن من شك في ربوبية الله تعالى ، لا بد أنه يشك في ألوهيته كذلك .. والعلم والقدرة هما من مباني الربوبية التي لا تصح إلا بشموليتهما (بمعنى أن تشمل قدرة الله تعالى وعلمه كل شيء ، فيكون لديه القدرة المطلقة والعلم المطلق) .
لذلك نجد العلماء اختلفوا في من شكّ في قدرة الله تعالى .. فطائفة قالت إن الجهل لا يصح عذرًا في هذه المسألة ، وطائفة أخرى أثبتت العذر .
يقول ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في فتح الباري [6/522-523] :
[-- قوله: ( فوالله لئن قدر الله عليّ ) ، في رواية الكشميهني: ( لئن قدر عليّ ربي ) . قال الخطابي: قد يستشكل هذا ، فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى ؟ والجواب أنه لم ينكر البعث ، وإنما جهل ، فظنّ أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب ، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله . قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك ؛ وردّه ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا ، وإنما قيل إن معنى قوله: (لئن قدر الله عليّ) أي: ضيّق ، وهي قوله: { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } أي: ضيّق ، وأما قوله: ( لعلي أَضِلّ الله ) فمعناه: لعلي أفوته ، يقال: ضلّ الشيء إذا فات وذهب ، وهو كقوله: { لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى } ، ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه ، كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وأنا ربك ، ويكون قوله: (لئن قدّر عليّ) بتشديد الدال أي: قدّر عليّ أن يعذبني ليعذبني ، أو على أنه كان مثبتًا للصانع ، وكان في زمن الفترة ، فلم تبلغه شرائط الإيمان ، وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه ، حتى ذهب بعقله لما يقول ، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه ، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي ، الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه ، وأبعد الأقوال قول من قال إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر --]
فهذه اختلافات العلماء في هذه المسألة .. طائفة قالت إن هذا الرجل شكّ في قدرة الله تعالى ، فظن أنه لن يبعثه حيًا إن حُرّق جسده وذُري ، وطائفة قالت إنما قال ذلك فرقًا وخوفًا حتى هذى فلم يعلم ما قال .
ومن الذين أثبتوا عذر الجهل للشاك في قدرة الله تعالى وعلمه .. ابن تيمية ، رحمه الله تعالى .
فقد قال في [مجموع الفتاوى: 11/408-414] :