فهرس الكتاب
فهذا سر عبادة الأصنام ، وهو الذي بعث الله رسله ، وأنزل كتبه بإبطاله ، وتكفير أصحابه ولعنهم . وأباح دماءهم وأموالهم ، وسبي ذراريهم ، وأوجب لهم النار . والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد علي أهله ، وإبطال مذهبهم .
قال - تعالى -: { أَمِ اتخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ } [الزمر: 43-44] .
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض ، وهو الله وحده . فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده . فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه . فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له ، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره ، بعد شفاعته - سبحانه - إلى نفسه ، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده . وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم ، وهي التي أبطلها الله - سبحانه - في كتابه ، بقوله: { وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شفَاعَةٌ } [البقرة: 123] وقوله: { يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَنُفْقِوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه وَلا خُلّةُ وَلا شَفَاعَةٌ } [البقرة: 254] وقال - تعالى -: { وَأَنْذِرْ بِهِ الّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلى رَبهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِي وَلا شَفِيعٌ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ } [الأنعام: 51] وقال: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } [السجدة: 4] . فأخبر - سبحانه - أنه ليس للعباد شفيع من دونه ، بل إذا أراد الله - سبحانه - رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه . كما قال - تعالى -: { مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } [يونس: 3] . وقال: { مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعَ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِه } [البقرة: 255] . فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ، ولا الشافع شفيع من دونه ، بل شفيع بإذنه .
والفرق بين الشفيعين ، كالفرق بين الشريك والعبد المأمور . فالشفاعة التي أبطلها الله: شفاعة الشريك ، فإنه لا شريك له ، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور ، الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له . ويقول: اشفع في فلان . ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة: أهل التوحيد ، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه ، وهم الذين ارتضى الله سبحانه . قال - تعالى -: { وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لَمِنِ ارْتَضَى } [الأنبياء: 28] ، وقال: { يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَرَضِي لَهُ قَوْلًا } [طه: 109]