الصفحة 93 من 95

فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده ، وأن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه ، فإنه ليس بشريك ، بل مملوك محض ، بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض .

فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله - سبحانه - في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس ، ويفعلها بعضهم مع بعض ، ولهذا يطلق نفيها تارة ، بناءً على أنها هي المعروفة المتعاهدة عند الناس ، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه ، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه ، فإنه الذي أذن ، والذي قبل ، والذي رضي عن المشفوع ، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة وقوله .

فمتخذ الشفيع مشرك ، لا تنفعه شفاعته ، ولا يشفع فيه ، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده ، ويطلب رجاءه ، ويتباعد من سخطه ، هو الذي يأذن الله - سبحانه - للشفيع أن يشفع فيه .

قال - تعالى -: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ } ، إلى قوله: { قُلْ للهِ الشّفَاعَةُ جَمِيعًا } [الزمر: 43-44] ، وقال - تعالى -: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أتُنَبئُونَ اللهَ بمَا لا يعْلمُ في السَّموَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [يونس: 18] ، فبين - سبحانه - أن المتخذين شفعاء مشركون ، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم هم ، وإنما تحصل بإذنه للشافع ، ورضاه عن المشفوع .

وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق ، وسؤاله للمشفوع عنده ، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده ، لا خلقًا ، ولا أمرًا ، ولا إذنًا ، بل هو سبب محرك له من خارج ، كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب ، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه ، كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه ، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه ، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض ، فيقبل شفاعة الشافع . وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع ، فيردها ولا يقبلها ، وقد يتعارض عنده الأمران ، فيبقي مترددًا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد ، وبين الشفاعة التي تقتضي القبول ، فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح . فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعي في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحركه به ، ولو على كره منه . فمنزلة الشفاعة عنده منزلة من يأمر غيره ، أو يكرهه على الفعل ، إما بقوة وسلطان ، وإما بما يرغبه ، فلا بد أن يحصل للمشفوع إليه من الشافع: إما رغبة ينتفع بها ، وإما رهبة منه تندفع عنه بشفاعته . وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه ، فإنه ما لم يخلق شفاعة الشافع ، ويأذن له فيها ، ويحبها منه ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت