الصفحة 94 من 95

ويرضى عن الشافع ، لم يمكن أن توجد ، والشافع لا يشفع عنده لحاجة الرب إليه ، ولا لرهبته منه ، ولا لرغبته فيما لزمه ، وإنما يشفع عنده مجرد امتثال أمره وطاعته له ، فهو مأمور بالشفاعة ، مطيع بامتثال الأمر ، فإن أحدًا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلا بمشيئة الله - تعالى - وخلقه ، فالرب - سبحانه وتعالى - هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع ، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل ، والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره ، وهو في الحقيقة شريكه ، ولو كان مملوكه وعبده . فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النفع ، بالنصر والمعاونة وغير ذلك ، كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق ، أو نصر ، أو غيره ، فكل منهما محتاج إلى الآخر .

ومن وفقه الله - تعالى - لفهم هذا الموضع ومعرفته ، تبين له حقيقة التوحيد والشرك ، والفرق بين ما أثبته الله - تعالى - من الشفاعة وبين ما نفاه وأبطله ، { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نورًا فماله مِنْ نُورٍ } [النور: 40] . --]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 1/116-120] :

[-- الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ النَّاسِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؛ وَهِيَ أَنْ يَشْفَعَ الشَّفِيعُ إلَى غَيْرِهِ ابْتِدَاءً ، فَيَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ . فَأَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَشْفَعَ فَشَفَعَ ؛ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالشَّفَاعَةِ ، بَلْ يَكُونُ مُطِيعًا لَهُ ؛ أَيْ تَابِعًا لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ ، وَتَكُونُ شَفَاعَتُهُ مَقْبُولَةً ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلْآمِرِ الْمَسْئُولِ . وَقَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ آيَةٍ: أَنَّ أَحَدًا لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ } ، وَقَالَ: { وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ، وَقَالَ: { وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ . وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الشَّفَاعَةُ الْمَنْفِيَّةُ: أَنَّهُ قَالَ: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، وَقَالَ تَعَالَى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ } . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ .

وَأَمَّا نَفْيُ الشَّفَاعَةِ بِدُونِ إذْنِهِ: فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ إذَا كَانَتْ بِإِذْنِهِ لَمْ تَكُنْ مِنْ دُونِهِ ، كَمَا أَنَّ الْوِلَايَةَ الَّتِي بِإِذْنِهِ لَيْسَتْ مِنْ دُونِهِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (*) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } . وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ } . { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } . فَذَمَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت