‹
الصفحة 95 من 95

لِلَّهِ الشَّفَاعَةَ جَمِيعًا ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ غَيْرِهِ ، إذْ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَتِلْكَ فَهِيَ لَهُ . وَقَدْ قَالَ: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } . وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّهُ نَفَى يَوْمَئِذٍ الْخُلَّةَ بِقَوْلِهِ: { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الْخُلَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَنَفْعَهَا الْمَعْرُوفَ ، كَمَا يَنْفَعُ الصَّدِيقُ الصَّدِيقَ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا قَالَ: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (*) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (*) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وَقَالَ: { لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (*) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } . لَمْ يَنْفِ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرَةِ خُلَّةٌ نَافِعَةٌ بِإِذْنِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ (*) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } الْآيَاتُ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: { حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ } وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: { أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي ؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي } » . فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ عَائِدٌ إلَى تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَحَدٌ وَلَا يَضُرُّ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْبَدَ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ ، وَلَا يُسْتَعَانَ بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَظْهَرُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ، وَيَتَبَرَّأُ كُلُّ مُدَّعٍ مِنْ دَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ ، فَلَا يَبْقَى مَنْ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ مَعَهُ شِرْكًا فِي رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ إلَهِيَّتِهِ ، وَلَا مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّهُ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبٌّ وَلَا إلَهَ إلَّا هُوَ - فَقَدْ اتَّخَذَ غَيْرَهُ رَبًّا وَإِلَهًا ، وَادَّعَى ذَلِكَ مُدَّعُونَ . وَفِي الدُّنْيَا يَشْفَعُ الشَّافِعُ عِنْدَ غَيْرِهِ وَيَنْتَفِعُ بِشَفَاعَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ . وَيَكُونُ خَلِيلَهُ فَيُعِينُهُ ، وَيَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْ الشَّرِّ . فَقَدْ يَنْتَفِعُ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا ، النُّفُوسُ يُنْتَفَعُ بِهَا تَارَةً بِالِاسْتِقْلَالِ ، وَتَارَةً بِالْإِعَانَةِ - وَهِيَ الشَّفَاعَةُ - ، وَالْأَمْوَالُ بِالْفِدَاءِ . فَنَفَى اللَّهُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ . قَالَ تَعَالَى: { لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } . وَقَالَ: { لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ } . كَمَا قَالَ: { لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } . فَهَذَا هَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَادَ مَا نَفَاهُ اللَّهُ مِنْ الشَّفَاعَةِ إلَى تَحْقِيقِ أَصْلَيْ الْإِيمَانِ ، وَهِما الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ؛ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ . كَمَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ . كَقَوْلِهِ: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ } ، وَقَوْلِهِ: { الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } وَقَوْلِهِ: { مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } . وَقَوْلِهِ: { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . وَأَمْثَالِ ذَلِكَ .--]

ولشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - رسالة نفيسة في هذا الباب ، تكلم في هذا النوع من الشفاعة بإسهاب ، واسم هذه الرسالة:"الواسطة بين الحق والخلق".. فلتُراجع لمن أراد ميزد بيان وإيضاح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت