فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 40

يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله: «فليس شيء أحب إلى الله من هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والانطراح بين يديه والاستسلام له؛ فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي وبغناك وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه» .

ثم يفيض في هذا الخضوع؛ فيمرغ جبهته في التراب ساجدًا ملحفًا بالسؤال قد أذَلَّ دموعه منتظرًا سكب الرحمات في قلبه والسكينة في نفسه:

قلت لليل كم بصدرك سر ... أنبئني ما أروعُ الأسرار

قال ما ضاء في ظلامي سرٌ ... كدموع المنيب في الأسحار

فإذا أدام طالب السمو تذلله وتخضعه ولزم المحراب تفتحت له أبواب السماء، ونال المراتب السَّنِيَّة وتحَقَّقَ له المراد، قال بعض الصالحين: «ما فتح الله تعالى على عبد حالة سَنِيَّةً إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب» ، واستشهد بدعاء زكريا وكيف أن الله وهبه يحيى وبشره به وهو قائم يصلي في المحراب [1] ، وهذه العبودية المتمثلة في الخضوع والتذَلُّل تورِثُ العَبْدَ تمامَ الكِفاية من ربه؛ يقول عبد القادر الجيلاني: «...هات حقيقة العبودية وخذ الكفاية في جميع أمورك» [2] .

إضاءة

إن من تمام خضوعك وانطراحك بين يدي الله أن ترفع شكواك إليه، وأن تترك الشكوى إلى الناس؛ إن الشكوى من الناس وإلى الناس ضعف وذُلٌّ تأباه نفوس أهل الإيمان الصادقين، وهو نقص في كمال العبودية:

لستُ أشكو منك ففي الشكوى عذاب الأبرياء

وهي قيد ترسف العزة فيه والإباء

أنا لا أشكو ففي الشكوى انحناء

وأنا نبض عروقي كبرياء

(1) نحو المعالي ص: 40.

(2) الفتح الرحماني ص: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت