فهرس الكتاب
3 -أننا بالمقياس التاريخي وحده نستطيع أن نثبت أن الدين الأصلي للسكان لم يكن المسيحية أو الوثنية أو المجوسية أو اليهودية، وإنما كان ملة أبينا إبراهيم عليه السلام وهو سمانا المسلمين ، وقد أثبت صاحب السيرة الحلبية أن إسماعيل عليه السلام قد أرسل بدين أبيه إبراهيم أب الأنبياء عليهم السلام إلى الحميريين العماليق وهم معدن البربر وأصلهم، فاعتنقوه ونقلوه معهم إلى إفريقيا.
ولعل اعتناقهم لديانة إبراهيم التوحيدية هو ما يفسر عدم اهتمامهم بالأصنام والأوثان والنحت والرسم، وما اكتشف بمنطقتهم من آثار- وهو قليل جدا بالنسبة لما عند الأمم غيرهم - ليس إلا من بقايا الغزو الروماني والبيزنطي والوندالي لبلادهم. مما يؤكد احتفاظهم طيلة تاريخهم القديم ببعض معاني التوحيد الإبراهيمي الخالص، كما يفسر سرعة استجابتهم لهذا التوحيد نفسه عندما وفد إليهم من جديد في ثوبه المحمدي على يد الفاتحين صحابة وتابعين، فاعتنقوا الإسلام وتفاعلوا معه وأتقنوا لغته، وجاهدوا في سبيله، ونقلوه إلى أمم غيرهم في الأندلس ومجاهل إفريقيا، تم كل ذلك في ظرف لم يتجاوز ثلاثين سنة بعد وصول عقبة بن نافع إلى المنطقة سنة92 هجرية، وهذه ظاهرة لم تتكرر في أي قطر آخر دخل إليه الإسلام، ثم تحمل البربر بعد ذلك مسؤولية إقامة أمر الإسلام سياسة وإدارة وتسييرا للشأن العام، بتأسيس أنظمة سياسية متكاملة وإقامة إمبراطوريات عظيمة نصرت العقيدة وأهلها، ودافعت عن قيم الدين ومثله وشريعته، ووحدت منطقة الشمال الإفريقي من المحيط الأطلسي إلى الحدود الليبية المصرية، ومن الأبيض المتوسط إلى بحيرة تشاد كما هو شأن دول المرابطين والموحدين والمرينيين.