يروى أن إمام دار الهجرة مالك بن أنس - رحمه الله - كتب إلى الخليفة هارون الرشيد برسالة ينصحه فيها، يقول: أما بعد، إني كتبت إليك بكتاب لم آلك فيها رشدًا، ولم أدخر فيها نصحًا، تحميدًا لله وأدبًا عن رسول الله فتدبره بعقلك، وردد فيه بصرك، وأرعه سمعك، ثم اعقله قلبك، وأحضر فهمك، ولا تغيبن عنه ذهنك، فإن فيه الفضل في الدنيا وحسن ثواب الله في الآخرة.
أذكر نفسك في غمرات الموت، وكربة ما هو نازل لديك منه، وما أنت موقوف عليه بعد الموت من العرض على الله - سبحانه- ثم الحساب، ثم الخلود بعد الحساب.
وأعد الله - عز وجل - ما يسهل عليك أهوال تلك المشاهد وكربها، فإنك لو رأيت سخط الله - تعالى- وما صار إليه الناس من ألوان العذاب، وشدة نعمته عليهم، وسمعت زفيرهم في النار، وتسابقهم مع كلوح وجوههم، وطول غمهم، وتقلبهم في دركاتها على وجوههم، لا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالويل والثبور وأعظم حسرة إعراض الله عنهم، وانقطاع رجائهم، وإجالته إياهم بعد طول الغم بقوله: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} سورة المؤمنون (108) . ثم قال له: لا تأمنّ على شره من أمرك من لا يخاف الله، إنه بلغني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: شاورني في أمرك الذي يخافون الله.
احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك، فإنه بلغني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - أنه قال: شاورهم في أمرك الذين يخافون الله.
احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك، فإنه بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ما من نبي ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا".
ثم قال: لا تجر ثيابك، فإن الله لا يحب ذلك، فقد بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر إليه يوم القيامة".