فهرس الكتاب
4 -دور علماء نجد في علاج النوازل والأحداث
لم يكن علماء نجد بعيدين عن قضايا واقعهم ومستجدات عصرهم، بل إن لهم تأثيرًا بارزًا ودروًا رئيسًا في حل النوازل والحوادث، فكانوا أصحاب المواقف الشجاعة إزاء تلك القضايا، وأرباب القرار الصحيح تجاه النوازل والمستجدات، ولا غرو في ذلك فإنهم من"أولي الأمر"، وقد أنعم الله تعالى عليهم بالفقه في دين الله، وفهم تلك الوقائع والأحداث. ونعرض جملة من الأمثلة في هذا المقام:
أ - لما هجمت جيوش إبراهيم باشا على نجد - في أواخر الدولة السعودية الأولى - وقصدوا استئصال الدعوة السلفية وأتباعها، فساعدهم جماعة من أهل نجد من البادية والحاضرة، وأحبوا ظهورهم وانتصارهم، عندئذ ألف الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رسالته القيمة:"الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك" [1] .
ففي هذه الأوضاع المضطربة والفتن المتقلبة يبرز العلماء ... الربانيين، العالمين بالله تعالى وبأمره، فقد صنف الشيخ سليمان
رسالته في زمن فتنة، وفي أحوال مشوبة بالخوف والهلع من جيوش إبراهيم باشا، وصنف الشيخ هذه الرسالة في وقت زاغت فيه قلوب، وانساقت إلى مظاهرة وموافقة المشركين، فقرر الشيخ- وبالأدلة الكثيرة- أن من ظاهر الكفار وتولاهم فهو منهم، كما قد وقع فيه أولئك الخونة، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله - في هذه الرسالة:
"الدليل السادس عشر [2] : قوله تعالى: (( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) ) [الحج، آية:11] . فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة سواء بسواء فإنهم قبل هذه الفتنة يعبدون الله على حرف، أي على طرف، ليسوا ممن يعبد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم هذه الفتنة، انقلبوا عن دينهم وأظهروا موافقة المشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين .."
هذا مع أن كثيرًا منهم في عافية، ما أتاهم عدو، وإنما ساء ظنهم بالله فظنوا أنه يديل [3] الباطل وأهله على الحق وأهله، فأرادهم سوء ظنهم بالله .." [4] "
ب - ويعيد التاريخ نفسه، حيث هجمت العساكر التركية على بلاد نجد - سنة 1253هـ- وساعدهم من ساعدهم حتى استولوا على كثير من نجد، فصنف الشيخ حمد بن عتيق - رحمه الله- رسالة قوية سماها"سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك" [5] . ونقتطف من تلك الرسالة السطور الآتية:
"أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض أي شك في الدين وشبهة يسارعون في الكفر قائلين: (( نخشى أن تصيبنا دائرة ) ) [المائدة، آية:51] أي: إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين قالوا نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل، فيتسلطون علينا، فيأخذون أموالنا ويشردوننا من بلداننا، وهذا هو ظن السوء بالله الذين قال الله فيه (( الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرًا ) ) [الفتح، آية:6] " [6] .
جـ - وقد سبق أن أوردنا الموقف الشجاع الذي قام به الشيخ قرناس القرناس أثناء حصار الرس سنة 1232هـ [7] ، حيث واجه القائد الشيخ قرناس إبراهيم باشا وجيوشه، وصمد بمن معه
(1) انظر: الدرر السنية 7/ 310.
(2) من الأدلة الشرعية على تحريم موالاة الكفار
(3) من الإدالة وهو الغلبة.
(4) الدلائل ص47 - 48 = باختصار.
(5) الدرر السنية 7/ 310.
(6) سبيل النجاة والفكاك ص17 - 18.
(7) انظر الموضوع الأول من هذا الكتاب