فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 311

المكون وربما منعك من خدمة الكون وأعطاك شهود المكون ربما أعطاك التصرف في الملك ومنعك دخول الملكوت وربما منعك من التصرف في الملك ومنحك شهود الملكوت ربما أعطاك أنوار الملكوت فمنعك الترقي إلى بحر الجبروت وربما حجب عنك أنوار الملكوت فأعطاك الدخول إلى حضرة الجبروت ربما أعطاك القطبانية ومنعك التمتع بشهود الفردانية وربما منعك القطبانية ومتعك بشهود سر الوحدانية إلى غير ذلك مما لا يحصيه ألا علام الغيوب قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه إذا منعت فذاك عطاؤه وإذا أعطيت فذاك منعه فأختر الترك على الأخذ اه وشاهده قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم الآية فإذا فهمت هذا علمت أن المنع هو العطاء كما بينه بقوله متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء قلت إذا فهمت أيها العبد عن الله بعد تحققك برحمته ورأفته وكرمه وجوده ونفوذ قدرته وأحاطة علمه علمت أنك إذا سألته شيئًا أو هممت بشيئ أو أحتجبت إلى شيء فمنعك منه فإنما منعك ذلك رحمة بك وأحسانًا إليك إذ لم يمنعك من بخل ولا عجز ولا جهل ولا غفلة وإنما ذلك حسن نظر إليك وأتمام لنعمته عليك لكونه أتم نظر وأحمد عاقبة فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فربما دبرنا أمرًا ظننا أنه لنا فكان علينا وربما أتت الفوائد من وجوده الشدائد والشدائد من وجوه الفوائد وربما كمنت المنن في المحن والمحن في المنن وربما أنتفعنا على أيدي الأعداء وأوذينا على أيدي الأحباء وربما تأتي المسار من حيث المضار وقد تأتي المضار من حيث المسار ولأبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه في حزبه اللهم أنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا من حيث نعلم بما نعلم فكيف لا نعجز عن ذلك من حيث لا نعلم بما لا نعلم فمتي فتح لك أيها المريد باب الفهم عنه في المنع وعلمت ما فيه من الشر والخير وحسن النظر لك عاد المنع في حقك هو عين العطاء ومثال ذلك كصبي رأى طعامًا حسنًا أو حلواء أو عسلًا وفيه سم وأبوه عالم بما فيه فكلما بطش الصبي لذلك الطعام رده أبوه فالصبي يبكي عليه لعدم علمه وأبوه يرده بالقهر لوجود علمه فلو عقل الصبي ما فيه ما بطش إليه ولعلم نصح أبيه وشدة رأفته به ومثال آخر كرجل صنع طعامًا جيدًا وعمل فيه بصاقًا ومخاطًا أو قذرًا وأتي به لمن لا يعرفه فكل من رآه ولم يعرف ما فيه بطشت نفسه إليه فلو علم ما فيه ما بطشت نفسه فإذا نهاه عنه من علم ما فيه أتهمه لعدم فهمه كذلك العبد يبطش للدنيا أو الرياسة أو غير ذلك مما فيه ضرره فيمنعه الحق تعالى منه رحمة به وشفقة عليه وأعتناء به فإذا فهم عن الله سلم الأمر إلى مولاه ولم يتهمه فيما أبرمه وقضاه وإذا لم يفهم عن الله تحسر وربما سخط فإذا إنكشف له سر ذلك بعد علم ما كان في ذلك من الخير لكن فاتته درجة الصبر لقوله عليه السلام إنما الصبر عند الصدمة الأولى وأنظر قضية الرجل الذي كان يسكن في البادية وكان من العارفين فأتفق له ذات يوم أن مات حماره وكلبه وديكه فأتي إليه أهله فقالوا له حين مات الحمار مات حمارنا فقال خير ثم قالوا مات الكلب فقال خير ثم قالوا مات الديك فقال خير فغضب أهل الدار وقالوا أي خير في هذا متاعنا ذهب ونحن ننظر فأتفق أن بعض العرب ضربوا على ذلك الحي في تلك الليلة فأحتاحوا كل ما فيه وكانوا يستدلون على الخيام بنهيق الحمار ونباح الكلاب وصراخ الديكة فأصبحت خيمته سالمة إذ لم يكن بقي من يفضحها فأنظر كيف كان حسن نظر الحق لأوليائه وحسن تدبيره لهم وكيف فهم الرجل العارف ما في ذلك من السر في أول مرة فهذا هو الفهم عن الله رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر أمين قال الشبلي الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى اه يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم والله تعالى أعلم وسبب عدم الفهم عن الله هو الوقوف مع ظواهر الأشياء دون النظر إلى بواطنها كما أبان ذلك بقوله الأكوان ظاهرا غرة وباطنها عبرة قلت الغرة بكسر الغين وقوع الغرور وإنما كانت الأكوان ظاهرها غرة لوجهين أحدهما ما جعل الله سبحانه على ظاهر حسها من البهجة وحسن المنظر وما تشتهيه النفوس من أنواع المآكل والمشارب والملابس والمراكب وشهوة المناكح والمساكن والبساتين والرياضات وكثرة الأموال والبنين وكثرة الأصحاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت