فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 311

وسمعت شيخنا رضي الله عنه يقول قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه والله ما رأيت العز إلا في الذل وقال شيخ شيخنا مولاي العربي وأنا أقول والله ما رأيت الذل إلا في الفقر يعني أن الشيخ فسر الذل بالفقر إذ لا يتحقق ذل الأنسان إلا بالفقر فهو ذل الذل لأن النفس تموت بالفقر ولا يبقي لها عرق أصلًا والله أعلم وأما العز بطاعة الله فهو بالمبادرة لأمتثال أمره وإجتناب نهيه والأكثار من ذكره وبذل المجهود في تحصيل بره وأما العز بالقرب ممن تحقق عزه بالله فيكون بصحبتهم وتعظيمهم وخدمتهم وحسن الأدب معهم وهذا في التحقيق يرجع إلى التعزز بالله لكونه وسيلة إليه فإذا تحقق عزه بالله أستغنى بعز الله عن عز غيره فمن حصل هذا العز وتحقق به فقد تعزز بعز لا يفني أبدًا ينسحب عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده إلى يوم القيامة قال تعالى"من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا"وقال تعالى"ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"والمراد بالذين آمنوا هم الأولياء أهل الإيمان الكامل وقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون وقال سيدنا على كرم الله وجهه من أراد الغنى بغير مال والكثيرة بغير عشيرة فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة اه فمن تحقق عزه بالله لم يقدر أحد أن يذله وأنظر قضية الرجل الذي أمر هارون الرشيد بالمعروف فحنق عليه فقال أربطوه مع بغلة سيئة الخلق لتقتله فلم تقض فيه شيئًا ثم قال أسحنوه وطينوا عليه البيتة ففعلوا فرؤى في بستان فأتى به فقال له من أخرجك من السجن فقال الذي أدخلني البستان فقال ومن أدخلك البستان فقال الذي أخرجني من السجن فعلم هارون أنه لم يقدر على ذله فأمر هارون أن يركب على دابة وينادي عليه ألا أن هارون أراد أن يذل عبدًا أعزه الله فلم يقدر اه وأما التعزز بالعز الذي يفني فهو التعزز بالمخلوق كتعزز ملوك الجور ومن أنتسب إليهم بكثرة الأتباع والأجناد وبالعصي والقهر وكالتعزز بالأموال والجاه في غير محله والرياسة وغير ذلك مما ينقطع ويبيد فمن تعزز بهذا مات عزه وأتصل ذله فإن التعزز بالمخلوق قطعًا يعقبه الذل عاجلًا وآجلًا وأنظر قضية الرجل الذي تكبر في الحرم فصار بعد ذلك يتكفف الناس وقال أني تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني في موضع ترتفع فيه الناس ذكر القضيتين في التنبيه ويقال لمن بالمخلوق أنظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفًا ودخل عارف على رجل يبكي فقال له وما يبكيك فقال له مات أستاذي فقال له ولم جعلت أستاذك من يموت فنبهه على رفع همته وأنفاذ بصيرته وقد مات شيخه قبل أن يرشد والله تعالى أعلم فأن أردت أيها المريد أن يكون لك عز لا يفني فأستعز بالله وبطاعة الله وبالقرب من أولياء الله ولا تسعزن بعز مخلوق يفنى فإن من تعزز بمن يموت مات عزه قال الله تعالى أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا وقال أبو العباس المرسي رضي الله عنه والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق تنبيه وإرشاد إعلم أن سبب العز الذي يعطيه الله لأوليائه هو حبه لهم فالعز نتيجة الحب ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحب الله عبدًا نادي جبريل إن الله يحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في السموات أن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الأرض وفي رواية يلقي له القبول في الماء فيشربه الناس فيحبونه جميعًا أو كما قال عليه السلام وسبب حب الله للعبد هو هو زهده في الدنيا ففي حديث الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أزهد في الدنيا يحبك الله وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ثم أعلم أن هذا العز الذي يعطيه الله لأوليائه لا يكون في بدايتهم ولا في أول أمرهم لئلا يفتنهم الخلق عن الوصول إلى الحق بل من لطف الله بهم وأغارته عليهم أن ينفر عنهم الخلق أو يسلط عليهم حتى يتخلصوا من رق الأشياء ويتحققوا بالوصول والتمكين فحينئذ أن شاء أظهر عزهم لينفع بهم عباده ويهدي بهم من شاء من خلقه وإن شاء أخفاهم وأستأثر بعزهم حتى يقدموا عليه فينشر عزهم ويظهر مكانتهم في دار لا فناء لها وسيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء الله ثم ذكر الشيخ سبب العز الذي لا يفني وهو الزهد في الدنيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت