فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 311

وحتى ترحل عنها بالكلية فلا تبقي فيك منها بقية هنالك ترحل إلى عالم الملكوت وتكشف لك أسرار الجبروت وقد قيل في قوله عليه السلام الدنيا خطوة مؤمن بمعنى أنه يتخطاها بالزهد فيها وفال بعضهم لا تتعجبوا ممن يدخل يده في جيبه فيخرج ما يريد ولكن تعجبوا ممن يضع يده في جيبه ولم يجد شيئًا ولم يتغير وقيل لأبي محمد المرتعش أن فلانًا يمشي على الماء قال عندي من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء اه ومخالفة الهوى أنما تكون بالزهد في كل شيء والغيبة عن كل شيء وكان شيخ شيخنا رضي الله عنه يقول لا تفرحوا للفقير إذا رأيتموه يصلي كثيرًا أو يذكر كثيرًا أو يصوم كثيرًا أ يعتزل كثيرًا حتى تروه زهد في الدنيا ورحل عنها ولم يبق له التفات إليها فحينئذ يفرح به ولو قلت صلاته وصيامه وذكره وعزلته قلت ومثل هذا تقدم في قوله ما قل عمل برز من قلب زاهد وكذلك قال في التنوير لا تدل على فهم العبد كثرة عمله ولا مداومته على ورده وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه وأنحياشه إليه بقلبه وتحرره من رق الطمع وتحليه بحلية الورع وبذلك تحسن الأعمال وتزكوا الأحوال اه فما قاله شيخ شيخنا صحيح لكن لا يفهمه إلا أهل الفن من أهل الذوق إذ لا يجتمع مجاهدة ومشاهدة وإنما تكون المجاهدة أولًا فإذا حصلت المشاهدة في الباطن ركدت الجوارح في الظاهر وما بقي إلا فكرة أو نظرة والأدب مع الحضرة وربما يعترض على الشيخ من لم يعرف مقصوده من جهلة علم الطريق وبالله التوفيق وإنما يتحقق طي مسافة الدنيا بتحقق الزهد فيها ولا يتحقق الزهد فيها إلا برفع الهمة عن الخلق والتعلق بالملك الحق وبالأياس مما في أيدي الناس كما أبان ذلك بقوله العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله أحسان قلت إنما كان العطاء من الخلق حرمانًا لثلاثة أوجه أحدها ما في ذلك من حظها وفرحها والتوصل إلى شهواتها وحظوظها وفي ذلك موت القلب وقسوته الوجه الثاني ما في ذلك من نقص الدرجات والغض عن كمال المراتب والمقامات ولذلك ترك الأكابر التمتع بالشهوات لقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وقد يتعرض المريد للسؤال لأجل موت نفسه وحياة روحه فإذا كثر عليه العطاء من الخلق فرحت النفس وأنست فلا تموت به سريعًا بخلاف ما إذا واجهه المنع فأنها تموت سريعًا إذ لاحظ لها فيه فالجهاد الذي لاغنيمة فيه أعظم من الجهاد الذي فيه الغنيمة فقد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا خرجت طائفة للغزو فجاهدوا وغنموا فقد تعجلوا ثلثي أجرهم وإذا لم يغنموا رجعوا بأجرهم كاملًا أو كما قال صلى الله عليه وسلم الوجه الثالث ما في ذلك من الركون إليهم وميل القلب بالمحبة لهم إذ النفس مجبولة على حب من أحسن إليها فتسترق لهم وتكون أسيرة في أيديهم وفي وصية سيدنا على كرم الله وجهه لا تجعل بينك وبين الله منعمًا وعد نعمة غيره عليك مغرمًا وأنشد رضي الله عنه

لعمرك من أوليته منك نعمة ... ومد لها كفًا فأنت أميره

ومن كنت محتاجًا إليه فإنه ... أميرك تحقيقًا وأنت أسيره

ومن كنت عنه ذا غني وهو مالك ... أزمةأهل الدهر أنت نظيره

فعش قانعًا أن القناعة للفتى ... غناء وهذا مقتضى ما أشيره

وقال آخر

فلا ألبس النعما وغيرك ملبسي ... ولا أملك الدنيا وغيرك واهبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت