فهرس الكتاب
وقال إبراهيم الخواص رضي الله عنه لا يصح الفقر للفقير حتى تكون فيه خصلتان إحداهما الثقة بالله والأخرى الشكر لله فيما زوي عنه مما أبتلي به غيره من الدنيا وقيل لبعضهم ما الزهد عندكم قال إذا وجدنا شكرنا وإذا فقدنا صبرنا فقال هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ فقال وما الزهد عندكم أنتم قال إذا فقدنا شكرنا وإذا وجدنا آثرنا فهذا هو الفهم عن الله حيث شكر حين الفقد فقد عد الفقد نعمة والفاقة غني لما يجد فيها من المواهب والأسرار ولما يترقب بعدها من ورود الواردات والأنوار ولو لم يكن إلا التفرغ من الشواغل والأغيار وبهذا تزكوا الأحوال وتعظم الأعمال ويتأهل صاحبها للقبول والأقبال وإلا فلا عبرة بصور وجودها مع عدم قبولها كما نبه على ذلك بقوله ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول قلت لا عبرة بالطاعة إذا لم يصحبها قبول كما لا عبرة بالسؤال حيث لم يحصل به مأمول إذ الطاعة إنما هي وسيلة لمحبة المطاع وأقباله على المطيع بحيث يفتح في وجهه الباب ويرفع عن قلبه وجود الحجاب ويجلسه على بساط الأحباب فإذا فتح لك باب العمل وبلغت في تحصيله غاية الأمل غير أنك لم تجد له ثمرة ولم تذق له حلاوة من الأنس بالله والوحشة مما سواه ومن الغنى به والأنحياش إليه والأكتفاء بعلمه والقناعة بقسمته فلا تغتر بذلك أيها المريد فربما فتح لك باب طاعته وأنهضك إلى خدمته ولم يفتح لك باب القبول ومنعك بها من الوصول حيث أعتمدت عليها وركنت إليها وأنست بها وأشغلتك حلاوتها عن الترقي إلى حلاوة شهود المنعم بها ولذلك قال بعضهم أحذروا حلاوة الطاعات فإنها سموم قاتلة لأنها تقبض صاحبها في مقام الخدمة ويحرم من مقام المحبة وفرق كبير بين من شغله بخدمته وبين من أصطفاه لمحبته وأجتباه لحضرته فإجراء الذنب على العبد أحسن من مثل هذه الطاعة التي تكون سبب الحجاب كما نبه عليه بقوله وقضي عليك الذنب فكان سببًا في الوصول قلت وذلك أن العبد إذا كان سائرًا لمولاه قاصدًا لوصول حضرة حبيبه ورضاه قد يحصل له كلل أو يصيبه ملل أو يركبه كسل فسلط الحق عليه ذنبًا أو تغلبه نفسه فيسقط فإذا قام من سقطته جد في سيره ونهض من غفلته ونشط من كسله فلا يزال جادًا في طلب مولاه غائبًا عما سواه حتى يدخل حضرته ويشاهد طلعته وهي الحضرة التي هي تجليات الحق وأسرار ذاته ومثال ذلك رجل مسافر أصابه في الطريق نوم أو كسل فيسقط فيضربه حجر فإذا قام ذهب كسله وجد في سيره وفي الحديث رب ذنب أدخل صاحبه الجنة قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال لا يزال تائبًا فارًا منه خائفًا من ربه حتى يموت فيدخل الجنة أو كما قال عليه السلام وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم اه قال صلى الله عليه وسلم في شأن الطاعة التي لم تقبل رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع وقائم ليس له من قيامه إلا السهر فمثل هذه الطاعة المعصية التي يصحبها الأنكسار أحسن منها بكثير كما أبان ذلك بقوله معصية أورثت ذلًا وأفتقارًا خير من طاعة أورثت عزًا وأستكبارًا قلت أنما كانت المعصية التي توجب الأنكسار أفضل من الطاعة التي توجب الأستكبار لأن المقصود من الطاعة هو الخضوع والخشوع والأنقياد والتذلل والأنكسار أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي فإذا خلت الطاعة من هذه المعاني وأتصفت بأضدادها فالمعصية التي توجب هذه المعاني وتجلب هذه المحاسن أفضل منها إذ لا عبرة بصورة الطاعة ولا بصورة المعصية وإنما العبرة بما ينتج عنهما أن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم فثمرة الطاعة هي الذل والأنكسار وثمرة المعصية هي القسوة والأستكبار فإذا أنقلبت الثمرات أنقلبت الحقائق صارت الطاعة معصية والمعصية طاعة ولذلك قال المحاسبي رضي الله عنه إنما مراد الله سبحانه من عباده قلوبهم فإذا تكبر العالم أو العابد وتواضع الجاهل والعاصي وذل هيبة لله عز وجل وخوفًا منه فهو أطوع لله عز وجل من العالم والعابد بقلبه اه وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه كل أساءة أدب تثمر أدبًا فليست بإساءة أدب وكان رضي الله عنه كثير الرجاء لعباد الله الغالب عليه شهود وسع الرحمة وكان رضي الله عنه يكرم الناس على نحو رتبتهم عند الله حتى